لم يشكل مؤتمر بغداد الذي انعقد أمس وكرس لبحث سبل انهاء العنف المتصاعد في العراق منذ الغزو الاميركي، حالة استثنائية بين المسلسل الطويل من المؤتمرات الاقليمية والدولية المماثلة، سواء فيما يتعلق بالهالة الاعلامية التي أحاطته، أو الآمال العريضة التي علقت عليه، او التصريحات الوردية التي أعقبته وتحدثت عن «نتائج إيجابية طيبة وقرارات بناءة».

لكن غياب ضمانات واضحة وجدية لترجمة كل ذلك الى خطوات عملية على الارض كرس المخاوف - كما كان يحدث في السابق ايضا - من تحول تفاهمات المؤتمر ونتائجه الى فقاعات في الهواء ومجرد كلام للاستهلاك الاعلامي.

الاستثناء الوحيد الذي ميز مؤتمر بغداد عن سابقيه هو ما أكده عدد من الأطراف المشاركين بشأن إجراء محادثات وصفت بـ «البناءة» بين المسؤولين الاميركيين ونظرائهم الايرانيين والسوريين، وهو ما يشكل اعترافا متأخرا من إدارة بوش بجزء يسير من تشعبات الوضع العراقي المعقد ومراعاة لجانب من التوازنات المهمة في المنطقة، يجب ان تبني عليه واشنطن وتمضي فيه قدما من خلال امتلاك الشجاعة اللازمة لتقديم اعترافات أخرى بحقائق الوضع المتردي وتفاصيل الأزمة المستفحلة، والدخول في عمل جدي يبدأ بالكف عن اشعال الفتنة بين العراقيين وينتهي بإنهاء احتلال ارضهم وإزالة كل العقبات التي تعوق بناء دولتهم الموحدة القوية ذات السيادة الكاملة.

لقد سئم العراقيون وجيرانهم، وهم على أبواب الذكرى الرابعة للغزو والاحتلال، الكلام عن مؤتمرات وقرارات نظرية لا تمس جوهر المشكلة، ولم يعد الإعلان عن الخطط والاستراتيجيات الامنية يعني - في نظر الكثيرين - أكثر من الإيذان بتدشين مرحلة جديدة في دوامة العنف والفتنة والدمار، لذلك فإن إدارة بوش مطالبة اليوم، اكثر من أي وقت مضى، بالتخلي عن سياسة العناد والمكابرة التي انتهجتها خلال السنوات الأربع الماضية، والبدء في ترجمة الأقوال الى أفعال، عبر العمل - قبل الآخرين - بدعواتها المتكررة إلى الكف عن التدخل في شؤون العراق وترجمة القرارات والتفاهمات الاقليمية والدولية بشأنه إلى خطوات عملية ملموسة تنهي الاحتلال وتضع حدا لما جلبه من مآس وكوارث للعراق والمنطقة.