قبل نحو خمس سنوات شاركت في لقاء في مقر المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ضمن مجموعة من الإعلاميين والحقوقيين، الذين تداولوا كيفية إطلاق حملة للمطالبة بمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين وعلى رأسهم ارييل شارون بجريمة قتل الأسرى المصريين في حربي 56 و67 من القرن الماضي.

كان الحماس وقتها طاغيا بمناسبة صدور كتاب للزميل محمد بسيوني حمل عنوان «حق الدم» الذي ضم بين دفتيه وقائع الجريمة الإسرائيلية موثقة بشهادات من عاشوا الأحداث، وبعد ان أصدرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان نفسها كتابا عام 1997 يتضمن وثائق وأدلة ومواد الاتهام وفقًا للقانون المصري واتفاقية جنيف الرابعة والقوانين والمعاهدات الدولية، وشهادات حية لبعض الأسرى والمدنيين المصريين خلال حربي 56 و67 وحرب الاستنزاف.

غير ان الرياح لم تأت وقتها بما تشتهي السفن، اذ استحوذت قضايا داخلية وخارجية على اهتمام وسائل الإعلام المصرية، وجمد المشروع حتى بعثه التلفزيون الاسرائيلى في الأسبوعين الاخيرين من ثباته بكشفه عبر فيلم وثائقي عن تورط وحدة شاكيد التي كان يقودها وزير البنى التحتية الإسرائيلي الحالي بنيامين بن اليعازر بقتل 250 من أسرى الحرب المصريين عام 67 في منطقة العريش.

الفيلم الوثائقي الذي خرج من أرشيف التلفزيون الاسرائيلى بإيعاز من الموساد للانتقام من إعلان مصر عن قضية تجسس لصالح تل أبيب في فبراير الماضي وفقا للإعلام الإسرائيلي، فجر أزمة حادة بين مصر وإسرائيل كانت سببا في تجميد بن اليعازر زيارة كانت مقررة الى القاهرة، تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية المصرية وغضب السلطات المصرية التي وجدت نفسها في موقف يتحتم عليها تحريك القضية التي طالما سعت الى تبريد نيرانها في ذروة سنوات التطبيع الرسمي.

الآن دخل على خط الحملة، وبطريقة ربما لم تحلم بها منظمات المجتمع المدني المعنية بفتح ملف القضية، نواب في مجلس الشعب من المعارضة والمستقلين والحكومة و حتى رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف الذي قال ان هذه الجريمة «لا يرتكبها إلا إرهابي خرج من مستنقع الحقد والغل».

هذا المناخ المشحون كان دافعا للخارجية المصرية للتدخل، ومطالبة إسرائيل بالتحقيق في القضية، وهو ما يبدو ان تل ابيب لن تلتزم به، والتملص من تقديم اي نقاط يكون استخدامها لمحاكمة المسؤولين عن جريمة قتل الأسرى المصريين.

اليوم باتت الأرض مهيأة امام منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، لتحريك الملف، وعدم التفريط في الفرصة،التي طالما انتظرتها لسنوات، من أجل الثأر ولو سياسيا لأرواح الضحايا الذين دفنوا غدرا في رمال الصحراء، من دون أي وازع أخلاقي أو رادع من أبسط القوانين الدولية التي تحفظ للأسرى حقوقهم لدى قاتليهم.

ربما يتساءل البعض عن أهمية تصعيد هذا الملف في الوقت الراهن، وبعد سنوات طويلة من العلاقات الدبلوماسية المصرية الإسرائيلية بعد توقيع اتفاقية سلام، والرد بسيط ان دماء الضحايا لا يمكن التنازل عنها تحت اي ظرف، وان جريمة قتل هؤلاء لا تسقط بالتقادم، خاصة وان قاتليهم أصحاب سجل حافل في سفك الدماء العربية منذ بداية القرن الماضي وحتى اليوم.

القضية جد مهمة وتحتاج من الجميع بذل الجهود لعدم إفلات الخيوط التي تجمعت من بين أصابع المهتمين بنسج الشباك حول المتهمين الإسرائيليين الذين يحتلون أعلى المناصب، والإعلام المصري وخاصة الصحف مطالبة بمساندة الحملة، وإعطائها أولوية على قضايا فرعية وثانوية ربما لا تستحق الخوض فيها.

أما منظمات المجتمع المدني وأعضاء مجلس الشعب والأحزاب فعليهم جميعا عبء يتطلب تنسيق الجهود، حتى تكلل الحملة بنقلة حقيقية تضع المتهمين داخل أقفاص العدالة وتعرية جرائمهم أمام العالم وهذا أقل القليل من أجل راحة أرواح الضحايا في مراقدهم أيا كانت مواقعها.