إيران اليوم موجودة بقوة ولو بدرجات متفاوتة في كافة أزمات المنطقة، البعض يتعامل معها كجزء من الحل لهذه الأزمات والبعض الآخر يتعامل معها كجزء من المشكلة، وإيران موجودة أيضا بقوة في صياغة الترابط الحاصل بين مختلف هذه الأزمات وفي التشبيك فيما بينها.
إذا كان النووي هو عنوان الأزمة الأميركية الغربية مع إيران فإن العراق يشكل العنوان الآخر لهذه الأزمة. عنوان تزداد أهميته كل يوم ويزداد وضعه الضاغط على هذه العلاقات النزاعية مع ازدياد الغرق الأميركي في «المستنقع» العراقي وازدياد مخاطر تداعيات «العراق الجديد» المأزوم على الجوار القريب والبعيد.
من جهة تبحث إيران عن «التفاوض» المباشر مع واشنطن ضمن مقاربة شاملة لقضايا المنطقة ومنها النووي الإيراني، وهي سياسة تفترض انتزاع موقفين أساسيين من واشنطن اولهما التطبيع ولو الخلافي أو النزاعي بين واشنطن وطهران وإسقاط شعار تغيير النظام في إيران الذي تحمله واشنطن، رغم انه شعار يزداد بهتاناً كل يوم مع ازدياد الفجوة بين القدرات على تحقيق هذا الهدف وبين «الشعار الهدف»، وثانيهما الاعتراف الواضح عبر هذه المقاربة بموقع إيران المميز في كافة مسائل المنطقة وبالتالي الاعتراف بالمكانة الإقليمية لإيران.
من جهة أخرى تعمل واشنطن على خط «المباحثات» و«الاتصالات» غير المباشرة أو الانتقائية أو الموسمية مع طهران متمسكة بكوابح ذاتية على الانفتاح التفاوضي باتجاه إيران كونه يحمل في طياته الاعتراف بالنظام وإسقاط شعار تغييره، وهو امر يصعب على الرئيس الأميركي القبول به علنا ورسميا كونه يشكل تراجعا كليا عن سياسته الايرانية منذ بداية ادارته الأولى ومن شبه المستحيل ان يقوم بهذا التراجع الرسمي عشية نهاية ادارته الثانية.
واشنطن تريد التعامل مع طهران «بالقطعة» وتحت سقف الحد الأدنى الممكن مع نزع «السياسة الكبرى» عن كل لقاء وإبقائه قدر الامكان محصورا في إطار محلي أو تقني كما هو حاصل في التحضير لاجتماع بغداد حيث يبدو منطق «الشر الذي لا بد منه» يحكم الموقف الأميركي مقابل تردد ايراني مدروس حتى لا يقال ان هناك جريا وراء واشنطن.
إيران تقف خائبة الأمل من الدرس الكوري الشمالي فهي اذ فقدت حليفا في الملف النووي أمام الولايات المتحدة وصارت من منظور واشنطن الدولة الوحيدة الباقية في محور الشر إلا أن منطقها في الملف النووي ازداد قوة باعتبار أن الموقف الأميركي قائم على سياسة الكيل بمكيالين بشكل فاضح وان هناك معايير تبدو مقلوبة فيما يتعلق بالخوف من الانتشار النووي اذ تقبل كوريا النووية ويبدأ تطبيع العلاقات معها بوعد مستقبلي لتخليها عن طموحاتها النووية ضمن التزامات مستقبلية أخرى.
فيما تعاقب إيران التي تعمل في إطار النظام النووي الدولي القائم، الأمر الذي يبرز ويؤكد وجود أجندة إيرانية خاصة عند واشنطن يصعب التعبئة حولها دوليا وإقليميا كما يبرز وزن العنصر «العقائدي» الأميركي في السياسة الإيرانية لواشنطن مقابل أعلى درجات البراجماتية في السياسة الكورية الشمالية للإدارة الأميركية.
يبرز أيضا عند المقارنة الوزن الطاغي للوبي المؤيد لاسرائيل في واشنطن والذي يأخذ موقفا يتسم بأعلى درجات التشدد ضد إيران فيما هو غائب عن الملف الكوري الشمالي. تستفيد السياسة الأميركية في هذا المجال من الخطاب العقائدي والسياسي المتشدد للرئيس الإيراني للإبقاء على قدرة التعبئة ضد إيران في الموضوع النووي ولأسباب غير نووية تحظى باجماعات دولية.
ما يجمع بين واشنطن وطهران ان لكل منهما نقاط ضعفه الأساسية والمتزايدة في مشروعه في المنطقة. فإذا كانت المسألة العراقية تحمل اسطع دليل على احتمال تحول العراق الى فيتنام اميركية جديدة فان انسحاب الولايات المتحدة من العراق قد يؤدي الى جعل العراق فيتنام إيرانية ايضا باعتبار ان طهران تستفيد في الوضع الراهن من الغرق الأميركي في العراق وانكشاف واشنطن الأمني والسياسي هناك وتتبع سياسة يمكن وصفها بالفوضى المقيدة لإحداث مزيد من النزف للدور الأميركي بغية دفع واشنطن نحو التفاوض مع إيران.
واذا كان المناخ الشعبي في المنطقة يصطدم كليا بالسياسات الأميركية التي تجد الأطراف الرسمية الإقليمية والعربية صعوبة الدفاع عنها وبالتالي تقيد حركة التعاون مع السياسة الأميركية فان الحكم الإيراني يعاني أيضا من ازدياد الانتقادات الداخلية بشأن إدارته للملف النووي ولسياساته الإقليمية ويتخوف من ازدياد حالة الطلبنة على الحدود الإيرانية الباكستانية واحتمال دخول هذه الحالة الى بعض المناطق الإيرانية فلكل من الطرفين طموحاته الإقليمية ومخاوفه في الوقت ذاته.
انه صراع بين محاولة انتزاع الاعتراف بالمكانة الإقليمية ودور المفتاح الأساسي لقضايا المنطقة وبين محاولة احتواء النظام ومحاصرته ضمن حدوده الوطنية، انه صراع بين رفض الشرعية الوطنية للنظام من الخارج وبين محاولة انتزاع الاعتراف من ذلك الخارج الأميركي خاصة بشرعية الدور الإقليمي والدولي من جهة أخرى.
مسافة شاسعة تفصل بين واشنطن وطهران والبحث مستمر عن موقف ثالث يفترض ان يكون عربيا تركيا حيث هناك تقاطع مصالح وتعارض عند الحالة العربية التركية مع كل من الطرفين وحيث هناك الحاجة للبحث عن نقطة إرساء التوازن الإقليمي التي تؤسس للاستقرار بين «صراع الجبابرة» ومنع وقوع المنطقة في فوضى مدمرة ايا كانت العناوين الكبرى التي قد تدفع بهذا الاتجاه.
كاتب لبناني