المفاجأة الأساسية في واقعة الفيلم الوثائقي الإسرائيلي الذي أذاعه تلفزيون إسرائيل وكشف عن مذبحة إسرائيلية قاد فيها بنيامين بن اليعازر (وزير البنية التحتية الحالي) وحدة عسكرية قامت بقتل 250 أسيراً مصرياً وفلسطينياً في منطقة العريش بسيناء بعد أسرهم ونزع سلاحهم مع انتهاء حرب 67.. المفاجأة الأساسية في هذه الواقعة هي ادعاء البعض منا أنه فوجئ بما جاء في الفيلم الوثائقي!!

صحيح أن الفيلم وثيقة بالصوت والصورة من اعترافات الجنود القتلة بارتكاب المذبحة وبأوامر قادتهم و على رأسهم بنيامين بن اليعازر الذي كان يفترض أن سيكون «ضيفاً»رسمياً على مصر قبل يومين لولا خوفه على حياته بعد إذاعة الفيلم، ولكن تاريخ إسرائيل مع المذابح الجماعية وقتل الأسرى وإبادة المدنيين طويل ومعروف وأساسي منذ قيام الكيان الصهيوني.

وربما كان على الرأي العام العالمي أن ينتظر حتى التسعينات من القرن الماضي، ومع ظهور «المؤرخين الجدد» في إسرائيل الذين حاولوا النظر بعين نقدية لنشأة ومسار الكيان الصهيوني لكي يقرأ اعترافات إسرائيلية عن المذابح وجرائم الحرب التي ارتكبها الصهاينة منذ قبل إنشاء «دولتهم» و على مر السنوات بعد ذلك ضد العرب. لكن الذين عاشوا المأساة واقتربوا كانوا يعرفون، والأهم من ذلك أنهم كانوا يدركون أن ذلك هو جزء أساسي من العقيدة الصهيونية وبالتالي فسوف يستمر ما بقي الكيان الصهيوني.

هذه الواقعة التي تناولها الفيلم التسجيلي الإسرائيلي بالذات وردت تفاصليها في كتاب المؤرخ الإسرائيلي اوري ميلشتاين عام 1994 الذي أورد إفادات لجنود شاركوا في الجريمة كما نشر صورة ابن اليعازر أثناء قيادته للوحدة المذكورة.

وبعد سنوات ومع الاتجاه لتعيين بن اليعازر وزيراً للدفاع عام 2001 اصدر النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي الدكتور عزمي بشارة بياناً أشار فيه إلى السجل المشين لبن اليعازر والجرائم التي ارتكبها بحق الأسرى في سيناء.

وخلال السنوات الماضية كانت هناك تحركات واسعة لمنظمات المجتمع المدني المصري لإثارة قضية المذابح التي ارتكبتها إسرائيل بحق الأسرى المصريين، وكانت هناك محاولات لطرح القضية في البرلمان وأمام القضاء، وضغوط لدفع الحكومة لاتخاذ الإجراءات القانونية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ورغم أن الحكومة لم تستجب لهذه الضغوط، إلا أن القضية أصبحت على «أجندة» العمل الوطني طوال السنوات الماضية، كما أن السلطات الرسمية تعاونت مع العديد من المنظمات المدنية بهدف توثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل ضد المصريين، وجمع الشهادات وتسجيل الوقائع وتحديد أماكن المقابر الجماعية خلال حربي 1956 و1967. واقرب الأرقام المتداولة بهذا الصدد أن عدد المفقودين في هاتين الحربين بلغ سبعة آلاف عسكري وثلاثة آلاف مدني، بينما قد يبلغ عدد الشهداء عشرة أضعاف هذا الرقم.

القصص كثيرة عن جرائم الحرب الإسرائيلية في حربي 56 و67، ولكن حتى في حرب أكتوبر كانت عقلية مجرمي الحرب حاضرة، وعندما أتيحت الفرصة للسفاح شارون أثناء الثغرة لم يتوان في قتل الجنود الأسرى العزل من السلاح انتقاماً للإهانة التي لحقت بالجيش الإسرائيلي بالعبور المصري العظيم.

ولم يتورع عن استخدام المدنيين كدروع بشرية ربطها على أجسام الدبابات الإسرائيلية وهي تحاول اقتحام مدينة السويس، ولكن في 56 و67 كان الأمر مختلفاً..عشرات الآلاف من الجنود ينسحبون من سيناء.. في المرة الأول كان الانسحاب منظماً لحد كبير، ولكن في 67 كانت المأساة اكبر وكانت الجريمة الإسرائيلية أكثر حقارة، الطائرات تنقض على جنود بلا سلاح ولا ماء ولا طعام والأسرى مصيرهم القتل الجماعي بالرصاص أو بسير الدبابات عليهم، والضحايا يؤمرون بحفر قبورهم قبل إطلاق النار عليهم، ولم تكن هذه مجرد تصرفات فردية أو نزوات شاذة.. بل كانت سياسة مقصودة و«فلسفة» قامت عليها الدعوة الصهيونية من البداية، حين آمنت بأن العنف والإرهاب هما الطريق لتجسيد المخطط الصهيوني في الواقع.

قبل نصف قرن نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية هذه المحادثة بين أحد الجنود الإسرائيليين الذين اشتركوا في تنفيذ مجزرة «كفر قاسم» وبين الضابط المسؤول عن المجزرة:

سؤال (من الجندي): ماذا نفعل بالأطفال والنساء؟

جواب (من الضابط): يجب أن يعاملوا كالآخرين بدون رحمة.

سؤال: وماذا نفعل بالجرحى؟

جواب: يجب إلا يكون هناك جرحى.

سؤال: ماذا نفعل بالسجناء (والأسرى)؟

جواب: يجب إلا يكون هناك سجناء (أو أسرى).

إنه الأمر الذي يفسره مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق في مذكراته حين يقول «إن عنصر القوة والعنف جزء لصيق بالحركة الصهيونية، والعدوان مسألة جوهرية وليست عارضة»، وحين يضيف «انتم الإسرائيليون يجب إلا تأخذكم شفقة أو رحمة عندما تقتلون عدوكم. يجب أن تقضوا عليه حتى ندمر ما يسمى بحضارة العرب التي سوف نشيد على أنقاضها حضارتنا اليهودية».

بن اليعازر وشارون وغيرهما من مجرمي الحرب الإسرائيليين ورثة تاريخ طويل من الإرهاب الذي يمثل قلب الدعوة الصهيونية منذ هرتزل وجابوتنسكي والصهاينة الأوائل وحتى نائب رئيس الوزراء الحالي ليبرمان الذي هدد بضرب السد العالي وإغراق مصر، ومذبحة «شاكيد» الذي قتل فيها بن اليعازر وجنوده 250 أسيراً مصرياً وفلسطينياً ليست إلا واحدة من عشرات المذابح التي «يتباهى!!» بها القادة الإسرائيليون فيقول لنا بيجين بكل وقاحة السفاحين: لولا مذبحة دير ياسين لما قامت إسرائيل، لقد أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من 650 ألف عربي!!

لا أريد أن أتوقف كثيراً عند الأسباب الداخلية في إسرائيل لإذاعة التلفزيون هناك لهذا الفيلم الوثائقي في هذا التوقيت، التفسيرات مختلفة لذلك فالفيلم ـ في النهاية ـ يثبت ما لا يحتاج لإثبات بالنسبة لنا وهو أن إسرائيل مازالت مخلصة للأساس الذي قامت عليه وهو العنف والإرهاب ضد العرب.

ومن هنا فنحن لسنا فقط في إطار «احتفالية» إسرائيلية بمرور أربعين عاماً على حرب 67، وإنما أيضاً نحن أمام محاولة لتثبيت «العقيدة» الصهيونية في مجتمع يزداد اتجاهاً نحو اليمين وتزداد فيه مشاعر العنصرية ويصبح أكبر دعاة «الترانسفير» وطرد العرب نائباً لرئيس الوزراء، ويداوي جراح حرب لبنان بينما يستعد لحرب جديدة قد تكون ضد لبنان أو سوريا أو إيران.

ما ينبغي التوقف عنده هو أن رد الفعل المصري والعربي لا ينبغي أن يكون مجرد فاصل من الهجاء والشتائم وربما التظاهرات، ثم تهدأ الأمور ويعود كل شيء إلى مجراه، وربما يعود اليعازر نفسه لزيارة مصر، بينما أكثر من عاصمة عربية تستقبل المزيد من مجرمي الحرب الإسرائيليين..

إن الضغوط ينبغي أن تتواصل حتى لا يفلت مجرمو الحرب الإسرائيليين بجرائمهم. والمجتمع الدولي ينبغي أن يوضع أمام مسؤولياته. وإذا كانت معظم الدول العربية ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية فإن ذلك لا يمنع من وجود طرق لوضع القضية أمام المحكمة ومطاردة كل مجرمي الحرب الإسرائيليين في العالم كله.

وكشف جرائمهم وفضح الطبيعة الإرهابية للكيان الإسرائيلي. وإذا كان استطلاع رأي عالمي أخير قد كشف أن إسرائيل هي الأسوأ بين دول العالم من حيث التأثير السلبي على العالم كله، فإن كشف ما يلطخ يديها للأبد من جرائم، ضد الإنسانية لا يمثل فقط ثأراً مما حدث لأبنائنا، ولكنه يمثل إيقاظاً لضمير العالم لكي لا تتكرر هذه الجرائم، ولكي تختفي المعايير المزدوجة التي تجعل من إسرائيل (بحماية أميركا) دولة فوق القانون والشرعية.

إنها معركة الشعوب العربية قبل الحكومات، ودور منظمات المجتمع المدني هو الأساس في إرغام السلطات على التحرك، وفي إقناع العالم بعدالة قضيتنا، وبدون ذلك سوف يكون سهلاً أن يجد المسؤولون الحل في «مطالبة إسرائيل بالتحقيق في الأمر، وإبلاغنا بالنتائج التي تتوصل إليها!!» وهو أمر لا يستطيع المرء التعليق عليه دون أن يفقد ما تبقى من عقل، أو يقع تحت طائلة القانون قبل أن يقع تحت طائلته بن اليعازر نفسه.

نقيب الصحافيين المصريين