في تقريرها الأخير عن حقوق الإنسان في العالم لعام 2006 تنتقد واشنطن «ضعف المؤسسات المركزية» في أفغانستان علماً بأنها مؤسسات أنشأتها وتسيطر عليها القوات الأميركية ـ ومعها قوات مساعدة من الحلف الأطلسي ـ لمدى ست سنوات حتى الآن منذ الغزو الأميركي في أكتوبر 2001.

فور عملية الغزو وهبوط القوات البرية الأميركية وفرض سيطرة احتلالية كاملة على البلاد عقب الإطاحة بنظام طالبان الحاكم فقدت الدولة الأفغانية سيادتها الوطنية. ومن ثم قامت السلطة الاحتلالية الاستعمارية بإنشاء مؤسسات جديدة ـ حكومة وبرلمان وجيش وشرطة ـ بمواصفات معينة تجعل منها مجرد دمى لا تتحرك إلا وفق إرادة الاحتلال الأميركي.

نعم.. إنها مؤسسات ضعيفة كما يصفها التقرير الأميركي، ولكن هكذا ـ كما هو الحال في العراق ـ أرادت لها الولايات المتحدة ان تكون أدوات تحت إمرة وخدمة القوات الاحتلالية. فالإدارة الأميركية تعلم علم اليقين أنه لو قدر لأفغانستان ان يكون لها مؤسسات سلطة قوية لكان أول مطلب لهذه المؤسسات هو تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي واسترداد السيادة الوطنية كما تفعل حركة طالبان التي يعتبرها التقرير الأميركي تنظيماً «إرهابياً».

ومن المضحك في هذا السياق ان التقرير يدرج هجمات قوات طالبان على قوات الأمن التابعة للحكومة الأفغانية كانتهاكات لحقوق الإنسان.

وينتهي الفصل الخاص بأفغانستان دون ان يشير التقرير ولو تلميحاً إلى عمليات التعذيب المنهجي التي تباشرها القوات الأميركية داخل قاعدة باغرام قرب العاصمة كابول، ويمضي التقرير الأميركي في سرده الانتقائي فيشير إلى ما أطلق عليه «القائمة السوداء» وهي مجموعة محدودة من الدول التي تصنفها واشنطن بمعيارها الذاتي السياسي بأنها الأشد انتهاكاً لحقوق الإنسان، هي سبع دول تظهر أسماؤها سنوياً بانتظام، لكن هذه المرة أضيف إليها اسم اريتريا.

وإذا توقفت ملياً عند كل اسم ستدرك دون صعوبة لماذا استحقت هذه الدولة أو تلك الغضب الأميركي، فهناك الصين وكوريا الشمالية وكوبا وميانمار وإثمها الأكبر هو أنها تتبنى نظاماً اشتراكياً، وهناك إيران لأنها تتبنى ثوابت سياسة تشكل خطورة على إسرائيل، وهناك زيمبابوي لأنها بادرت إلى مصادرة الأراضي الزراعية من الأقلية البيضاء وملكتها للأغلبية الإفريقية من المواطنين، وهناك بيلاروسيا التي يؤخذ عليها من ناحيةٍ كبح جماح الأقلية اليهودية، ومن ناحيةٍ أخرى تحالفها مع روسيا بوتين في معارضة نهج اقتصاد السوق.

اما اريتريا فإن لها قصة مختلفة تماماً. فمنذ استقلالها في مطلع تسعينات القرن الماضي وحتى قبل نحو عامين أو أقل ظلت اريتريا أفورقي حصان السباق الذي تراهن عليه الولايات المتحدة في الحرب الأميركية على «الإرهاب» في منطقة القرن الإفريقي إلى درجة ان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون وصف الرئيس أفورقي بأنه «طراز جديد» من الزعامة الإفريقية.

فماذا جرى بعد ذلك حتى استحقت اريتريا «اللعنة» الأميركية؟