دفعة واحدة هجم اللون الأخضر ـ وفي أسوأ الحالات اللون البرتقالي ـ على شاشة تطورات المنطقة، وهو لون واعد قياساً على ما كانت عليه الأمور لأيام خلت. في الأراضي الفلسطينية زفّ الرئيس عباس بشرى اقتراب الإعلان عن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
«بعد أن تم إنجاز 99% منها»، على حد تعبيره، وفي لبنان لقاءات وترميم جسور مع انفتاح ملحوظ نحو تسوية ما، وفي بغداد ينعقد المؤتمر الإقليمي ـ الدولي الأول من نوعه؛ مع هبوط في نسبة العنف خلال الأيام الأخيرة، وفي أوروبا انفتاح جديد على سوريا وزيارة متوقعة لمنسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، إلى دمشق، وما يعطي هذه التطورات المتزامنة نكهة تفاؤل، هو أنها تحتشد عشية القمة العربية أواخر شهر مارس الجاري، التي تبدو استثنائية بكل المعايير، بالرغم من كونها قمة دورية اعتيادية.
هل ربيع المنطقة القريب، سوف يصطحب معه بداية ربيع سياسي إلى ربوعها؟
واقع الحال المعروف، بكل أعطابه وفجواته وجروحاته العميقة، لا يسمح بعقد الآمال الكبيرة، الحذر يفرض نفسه وترجح كفته، فالسوابق لا تشجع. ثم إن الخيبات والإحباطات العديدة لا تجيز أكثر من الترقب والانتظار.
كما أن تحقيق اختراقات، على هذه الجبهات يلزمه توفر شروط ونضوج ظروف ومعطيات؛ هي غير قائمة حتى الآن، لكن ذلك لا يمنع أن يكون ما يحصل بمثابة خطوات أولى في هذا الاتجاه. فالجميع في دوامة أزمة مكلفة ومرهقة؛ طال أمدها. وبالتالي فإن كافة الأطراف بحاجة إلى اعتماد مقاربة جديدة مختلفة، وبالتحديد المحلية منها.
الجانب الفلسطيني مدعو إلى وقف التمديد والتأجيل في تأليف حكومته ووحدته الوطنية قبل توزيع الحقائب، من دونها تبقى هذه الأخيرة بلا جدوى، وتجربة السنة الفائتة خير دليل، وقد آن الأوان لولادة الصيغة العتيدة.
في لبنان كان كسر الجمود بلقاء أقطاب في الموالاة والمعارضة، أقرب إلى الشهادة بأن المعادلة محكومة بالعودة إلى التواصل، بحثاً عن المخرج المقبول، والتأكيد على تكرار اللقاء يعزز الاعتقاد بأن القناعة أخذت تترسخ لدى الجميع؛ في هذا الخصوص، بالرغم من قوة الدفع التي أنتجتها الوساطات الإقليمية.
وربما كان هذا هو الحال لدى المؤتمرين في بغداد؛ حيث كل يبحث عن مخرجه؛ بعد أن ارتفعت قيمة فاتورة الأزمة العراقية على الجميع، بل أكثر بعد أن باتت هذه الأزمة تهدد بتكلفة تفيض عن القدرة على الاحتمال، لكن الواضح في هذا التداخل أن التكلفة المترتبة على الأطراف المحلية، لو بقيت أزماتها على تفاقمها، تفوق وبما لا يقاس تلك التي قد تترتب على القوى الخارجية، فهي بنهاية المطاف، المعني المباشر، الآني والدائم، بما يحصل فوق ساحاتها.
ولقد أكدت تجاربها وما رافقها من نزف ومن تهديد بكوارث تفتح عليها أبواب المجهول، بأن الانفراج المؤدي إلى أي خلاص وطني قابل للحياة والاستمرار؛ لابد وأن يكون صناعة محلية بالأساس، كما صار من المعروف أن المدخل لهذه الصناعة يكمن في تكريس وتوطيد نهج الحوار وفقط الحوار، البدائل حصل تجريبها والنتائج كانت المزيد من التعقيد والتأزيم. والآن ثمة مناخ للانتقال إلى ضفة هذا النهج، ولا يجوز عدم الاستفادة منه.