ما تزال الاصداء الايجابية، القراءات والتحليلات والمتابعات تتوالى على خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني التاريخي وبما أرساه من معايير عالية جدا في مخاطبة الكونغرس الاميركي يوم الاربعاء الماضي والتي شكلت محور اهتمام وسائل الاعلام والدوائر السياسية والدبلوماسية الاميركية كما الاوروبية والعالمية وخصوصا ايضا العربية التي رأت في الخطاب تعبيرا دقيقا وصريحا وحازما عن الامة العربية كافة وانتصارا غير مسبوق للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة التي كرس جلالة الملك كل خطابه للحديث عنها وعما تشكله من مركزية في الشرق الاوسط بأسره وان ايجاد حل عادل لها يشكل المفتاح لكل بؤر التوتر والحرائق والازمات التي تفرض نفسها على اكثر من ''ساحة''.

من هنا جاء تأكيد جلالة الملك امام الكونغرس ليذكر الاميركيين بالقيم والمثل العليا التي قامت عليها بلادهم وهي قيم العدالة والحرية للمضطهدين ما يفرض عليهم ولاسباب أخلاقية وسياسية وقانونية الانتصار لشعب مضطهد بل هو اقدم شعب مضطهد في العالم وهو الشعب الفلسطيني الذي يحتاج اليوم وأكثر من أي يوم مضى الى العدالة والحرية..

ولعل أقوال جلالة الملك في مقابلته مع المحرر التنفيذي لقناة (بي بي اس) الاميركية تؤكد في شكل لا لبس فيه اصرار الدبلوماسية الأردنية التي يقودها جلالته بنجاح واقتدار على تسليط المزيد من الضوء على القضية الفلسطينية وترجمة كل القناعات الدولية (والاميركية على وجه التحديد) التي تبلورت بضرورة منح الأولوية للقضية الفلسطينية عبر ايجاد حل عادل لها وخصوصا ان الشرق الاوسط سينزلق الى الهاوية اذا لم تحل هذه القضية كونها القضية الأكثر اثارة للمشاعر في الشرق الاوسط تاريخيا على نحو سيكون من الصعب معالجة القضايا الأخرى في المنطقة اذا لم يسارع المجتمع الدولي والولايات المتحدة على وجه الخصوص الى بلورة مثل هذا الحل..

الحل المطلوب وفق الرؤية الأردنية بل وايضا العربية التي تحدث باسمها جلالة الملك امام الكونغرس واعاد التأكيد عليه في مقابلته مع القناة الاميركية هو الحل القائم على وجود دولتين فلسطينية واسرائيلية وعدم ايمان اسرائيل بمثل هذا الحل يعني اصرارها على الاستمرار في التفكير بعقلية القلعة المحصنة وهو تفكير سيقود الى دمار شامل يطال الجميع في هذه المنطقة دولها والشعوب ولن يخرج منه احد منتصرا ولن يكون احد بمنأى عن مثل هذا المصير..

وإذ اكد جلالة الملك الى ان عدم القدرة على التعامل مع التحديات التي تواجه الجميع سيجعل من القدرة على العودة بالشرق الاوسط الى النور مجددا تتضاءل مع مرور الوقت فان جلالته لفت انظار الجميع الى ان أصوات المعتدلين ستخفت ما يعني ان الصوت المسموع لدى الناس سيكون هو صوت المتطرفين في حال تم تجاهل او استبعاد او تأجيل حل القضية الفلسطينية التي هي وكما اثبتت الايام ووقائع الاحداث ومجريات الأمور في المنطقة بأسرها بأنها القضية المحورية والأولى.. بل ''أم القضايا''.

جلالة الملك الذي نوه امام الكونغرس بالدور المهم والحيوي والرئيس الذي تلعبه الولايات المتحدة في عملية السلام بالمنطقة وطالب الكونغرس والادارة والشعب الاميركي بان يتحملوا مسؤولياتهم في هذا المجال اعاد التأكيد في المقابلة مع القناة الاميركية بهذا الدور بل انه في كل مرة احرزت العملية السلمية في الشرق الاوسط تقدما، كان ذلك بسبب الجهود الأميركية المباشرة..

الحال ان قراءة جلالة الملك الدقيقة والعميقة للمشهد الاقليمي تزيد من قناعتنا بأن الحراك السياسي والدبلوماسي الاردني قد سجل نجاحا على أكثر من صعيد وان المجتمع الدولي وعواصم القرار لن تستطيع تجاهل ما يحدث على صعيد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وان عليها ان تنهض بمسؤولياتها ازاء مسألة الأمن والاستقرار الذي ينعدم في الشرق الاوسط لأن البديل للسلام في المنطقة سيكون دوامة من العنف .

تؤثر على الجميع وتستمر لسنين طويلة وخصوصا في هذه المرحلة حيث يقف الشرق الاوسط على مفترق طرق ويجب ان تسير المنطقة في الاتجاه الصحيح وهو أمر يقرره الفلسطينيون والاسرائيليون ودول المنطقة كذلك الدول العربية والاسلامية والولايات المتحدة والمجتمع الدولي لان السير في اتجاه خاطىء يعني الانزلاق الى الهاوية والارتهان للفوضى والمجهول ولا نحسب ان احدا في المنطقة او العالم له مصلحة في ذلك غير المتطرفين والارهابيين ودعاة العنف والمستندين الى لغة القوة وغطرستها والمراهنين على سياسة الامر الواقع وموازين القوى.