كلـّما بدأ الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني، يطلّ على امكانية لنتيجة، سارعت اسرائيل الى اجتياح مناطق السلطة، والى القبض على الناشطين، والى قتل بعض المطلوبين، في عمليات تقصد اجهاض الحوار، ومنع أي التفاف وطني، والوقوف أمام ما بعد ما اتفق عليه.
فإذا نجح الحوار، وأطل على نتيجة، فإن ثقل الأشياء سيتوجّه نحو اسرائيل وقيادتها التي لا تقدر على أي استحقاق للسّلام، ولا تريد المرور الى المرحلة النهائية، التي يجب أن تتوّج منطقيا باتفاق مع الجانب الفلسطيني، لا تقدّر عليه اسرائيل ولا تريده.
لذلك هي تمارس هذه العبة السّخيفة والخطيرة في آن، أمام مرأى وأمام وعي كلّ دول العالم، التي يصيبها الشلل والبكم والصّمم أمام عمليات اسرائيل الاجرامية، والتي لا تشفى من أمراضها المباغتة، إا عندما يردّ الفلسطينيون الفعل، فيقومون بعملية أو يطلقون صواريخ صوب بعض المستوطنات. وقتها يصيب مرض النفاق الدول الصمّاء البكماء المشلولة، فيكثر ضجيجها ويعلو لغوها ويطول لسانها، مندّدة بالارهاب، داعية الى محاصرته، منبهة الى خطورته على السلم والأمن العالميين!
وهذا نفاق ملّه الجميع، ولكثرته وفضيحته، لم يعد ينصت إليه أحد، فهو الذي يعيد إنتاج كلّ مظاهر العنف، ويشجّع الإرهاب، وينفخ في ناره، إنه نفاق جبان، يرتعش أمام الجلاّد، ويأكل من لحم الضحية. ويبرّر الباطل ويبطل الحقّ. ويلتوي على الحقيقة ويمجّد الكذب، ثمّ يدّعي خوفا عن السّلام الضائع والاستقرار الميّت والرّخاء الواهم!
إن جميع مشاكل الشرق الأوسط، لم تكن يوما نابعة منه، بل هي واردة عليه قسرا وزورا وظلما، وكلّما أوقعوه في مصيبة جديدة، إلا وأنهوها بإدانته وختموها بالتحريض عليه، فهو وكر للإرهاب، ومرتع للكراهية، وعشّ للأحقاد، وهات، من هذه الترّهات والأكاذيب التي لم يعد يأبه لها أحد، بل هي لم تعد تنطلي حتى على الرأي العام الغربي الذي أصبح يعي حقيقة الأساطير المؤسسة لكلّ هذه الأوهام.