الاعتراف سيد الأدلّة. وها هو إيهود أولمرت، رئيس الحكومة الإسرائيلية، يعترف أخيراً.فالعدوان على لبنان في الصيف الماضي لم يكن رداً على أسر حزب الله لجنديين إسرائيليين، وإنما نتيجة تخطيط مسبق واستعدادات استمرت عدة أشهر.
نُهدي اعتراف أولمرت مجاناً لفريق 14 فبراير، وأولئك الذين انهالوا بخناجرهم المسمومة على المقاومة طعناً في الظهر قبلَ وخلالَ وبعدَ العدوان الصيفي الإسرائيلي.
كنّا نعرف هذه الحقيقة، وكان حزب الله يعرفها، وقد كشف ذلك الأمين العام لحزب الله، سماحة السيد حسن نصر الله؛ لكن ما العمل مع هذا الفريق المساند للعدوان الإسرائيلي الذي أنفق ملايين الدولارات على حملة إعلامية مركّزة وشرسة حاول فيها تحميل المقاومة مسؤولية الكارثة الإسرائيلية التي هبطت على لبنان؟!..
ما العمل مع هذا الفريق الذي تباكى على موسم سياحي ضائع، ودمار غير مسبوق حلّ بلبنان واللبنانيين، ومئات الشهداء وآلاف المصابين؟.. ما العمل إذا كان هذا الفريق الباحث عن «الحئيئة» لا يريد الحقيقة؟!
نُهدي اعترافات أولمرت لهذا الفريق، ونعرف مسبقاً أنّه سيخترع الكثير من المبرّرات والمسوِّغات لتفريغ هذه الاعترافات من مضمونها، والقول: إنها «كلام جرايد» ولا أهمية لها، وإنّ وجود المقاومة هو السبب والعلّة؛ فلولا هذا الوجود لكان الحَمَل الإسرائيلي الوديع يرعى بأمان واطمئنان في جنوب لبنان دون أن يؤذي فراشة!.
لكنّنا نشفق فعلاً على هذا الفريق بعد أن خانه أولمرت وأسقط أبرز أسلحته التي كان يستخدمها على مدار الساعة في عدوانه على المقاومة.. وهو عدوان لا يقلّ شراسةً عن العدوان الإسرائيلي المسلّح، وإنْ كان الثاني قد راهن على الأول لإكمال المهمّة في الداخل اللبناني.
لا نظنّ أن أولمرت كان سعيداً عندما خان الذين ساندوه في الداخل اللبناني، وعندما سلب من فريق 14 فبراير الأدوات التي كان يستخدمها لتضليل الشارع اللبناني أولاً، والعالم ثانياً. إذ يبدو أولمرت مضطراً للاعتراف على مبدأ: إذا جاء الطوفان فانجُ بنفسك.. و..قد وجد الاعتراف طوقاً للنجاة، وترك للآخرين البحث عن أطواقهم الخاصة!
اليوم يقف لبنان أمام حقائق جديدة على ضوء اعترافات أولمرت، ولم يعد الأمر يتصل فقط بحملة التشويش والتشهير بالمقاومة اللبنانية وتحميلها المسؤولية الكاملة عن نتائج عدوان الصيف الماضي، بل صار الأمر يتعلّق بخطاب سياسي ـ إعلامي لفريق كامل بنى مواقفه وسياساته على جملة من الأكاذيب والافتراءات والاتهامات في كلّ ما يخصّ الشأن اللبناني الداخلي، وفي علاقات لبنان الخارجية بدءاً من الجوار.
فاللبنانيون اليوم، حتى أولئك الذين تمّ تضليلهم عبر «البروبوكاندا» والحملات الإعلامية المركّزة التي شارك فيها شخصيات سياسية ونيابية و«عشائرية!» ووجهاء ووارثو زعامات وأركان حرب السفير فيلتمان.. اللبنانيون يكتشفون اليوم أن المتاجرين بالحرية والوطنية والحقيقة هم أكثر بعداً عن هذه المُثُل والمبادئ.
فالذين يتحدّثون عن «نصر سياسي» حقّقوه عندما جلبوا ذئب القرار 1701 الى البيت اللبناني، إنما هم الذين أفادوا من العدوان الإسرائيلي لتشكيل قوّة ضغط داخلي للسطو على السلطة بشكل غير شرعي، ولا يتماشى؛ لا مع التركيبة السياسية اللبنانية، ولا مع النسيج الاجتماعي والطائفي الذي يميّز لبنان، وبالتالي يميّز نظامه السياسي القائم على التعدّدية الطائفية والمذهبية التي تكرّست منذ وثيقة بشارة الخوري ـ رياض الصلح عام 1943، التي أرست توزيعاً للسلطة بين جميع أطياف النسيج اللبناني، والذي جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليقرّه بصيغة جيدة ومُعدَّلة.
نعتقد أن اللبنانيين بدؤوا يتلمّسون الحقيقة، وأن كل الضجيج الإعلامي وحملات التشكيك والتشهير والغدر التي تعرّض لها حزب الله، إنما كان كل ذلك لغاية في نفس يعقوب وإسحاق وأولمرت وبوش وشركاهم، من أجل جعل لبنان نقطة الانطلاق الرئيسة في مشروع الشرق الأوسط الجديد.. وهو الأمر الذي لم تخفه ناظرة الخارجية الأميركية الآنسة كوندوليزا رايس خلال عدوان الصيف الفائت عندما «بشّرت» علناً بمخاض وولادة لهذا الشرق الأوسط الجديد؛ فإذا بالدولة الأعظم في العالم وبآلة الحرب والدمار الإسرائيلية عجزتا عبر عملية قيصرية عن استيلاد مولودهما المنشود.
في ضوء هذه المعطيات الجديدة ـ وهي هامة جداً ـ علينا، وعلى اللبنانيين بصفة خاصة، إعادة قراءة الأحداث والتصريحات والمواقف منذ جريمة اغتيال الراحل رفيق الحريري، ومن ثم إعادة تحليل هذا العشق الأميركي ـ الغربي لفريق سلطة غير شرعية وفق وثيقة 1943 واتفاق الطائف، ووفق التوافقية اللبنانية، وهذا العطف والحنو الأميركي على أقطاب هذا الفريق إلى درجة يجد فيها بوش وكبار مسؤوليه الوقت الكافي للتباحث مع هذا أو ذاك حول سبل «دعم لبنان» ومواجهة «أعدائه» وطبعاً المقصود بأعدائه هنا هو سورية وليس إسرائيل!
هدية أولمرت قيّمة جداً؛ لذا فإن الوقت قد حان لترجمة جديدة لحملة تزوير وتزييف غير مسبوقة للحقيقة في لبنان. وكل ما يتمناه اللبنانيون، والعرب هو الحقيقة. فبعد ما جرى ليس «للحئيئة» مكانٌ في المعادلة الجديدة التي رسمتها اعترافات أولمرت.