مؤتمر بغداد لم يأت مفاجأة عندما يضم أميركا إلى جانب إيران وسورية وبقية الدول المدعوة لهذا التجمع الهام، إذ حتى مع الاشارات التي أطلقتها أميركا بأنها لن تبحث أي شأن ثنائي غير أزمة العراق، فإن ما جرى من تحضير للمؤتمر، ربما يجعل الاجتماعات تم التنسيق لها إذ لن يكون العراق فقط هو القضية، بل ستدخل مسائل لبنان والأسلحة النووية، وربما تسويات قادمة مع إسرائيل، يفرض هذا الموقف أن الرئيس بوش يريد إخراج نفسه من ورطة المنطقة بما يضيف له بعض الانتصار وبنفس الوقت تجد سورية وإيران نفسيهما أمام واقع يفترض أن يصبح العراق موضوع كسب سياسي ومعنوي حتى لو جاءت النتائج أقل من المطلوب.

فلبنان متشابك مع المسائل الحساسة في المنطقة، وكذلك العراق الذي يعيش حرباً أهلية قائمة، لكنها ليست معلنة وبمعادلة المكاسب والخسائر قد يرافق هذا المؤتمر الكثير من المساومات والتنازلات، لأن الكل لديه ورطته، إلا الدول التي تحضر كشاهد ونصف فاعل في أوضاع العراق وفلسطين ولبنان.

إيقاع الحرب العراقية، ومن ثم نتائجها التي لم تدخل دائرة صانع قرار الحرب الأميركي فرض سلوكاً آخر، انقلب على تلك الآمال والتوقعات برسم خريطة للمنطقة تتجاوز رغبات دولها تفرضها الدولة العظمى وفقاً لسيناريوهات خالفت ما يجري الآن والتي قد تبعد أميركا عن المناطق الحساسة بخيار الحرب واستبدالها بأساليب دبلوماسية أقل خسارة وتبعات إقليمية ودولية.

أميركا، وإسرائيل حاضرتان في كل تعقيدات المنطقة من حروب وإرهاب وانفجارات فئوية وطائفية، وقد يكون هذا الأمر مقبولاً على مبدأ مخططات قديمة تتحدث، وبقوة، عن ضرورة تفتيت المنطقة إلى (كانتونات)، ودول تتصارع على الحدود، بضغط الواقع الداخلي، ليأتي هذا في مصلحة إسرائيل التي تكون وحدها القوة المنفردة بقرارات المنطقة ورسم مستقبلها، غير أن عدم الاستقرار بالعراق، ولبنان، واستمرار المقاومة الفلسطينية، أكدا لمخططي الدولتين أن مخاطر عدم الاستقرار في هذا الموقع الجغرافي الحساس، ربما تؤزم العالم .

وأكثر من يتضرر هو إسرائيل ودول أوروبا، وقد يكون الحافز لتسوية مسائل المنطقة أن أطرافاً دولية، ظلت بلا فاعلية بالنزاعات الدولية، خرجت الآن للأفق لتعلن قدومها وخاصة روسيا لتتبعها الصين والهند، وكذلك أوروبا، وهذا ما أكد لأميركا أن الكعكة الجاهزة، كما تصورت، امتدت إليها أيدٍ أخرى تشاركها النفوذ، وأن تورطها العسكري لم يجلب لها أي انتصار، بل وضعها عدواً عالمياً ومكروهاً، ومن هذه الأسباب ربما يكون العراق هو من يغير السياسات الراهنة..