على مدار أقل من عام ونصف العام بدأ الدولار يفقد مواقعه في سلة العملات الصعبة في أسواق المال الروسية، وقد شهدت أسعار الدولار تراجعا أمام الروبل بلغ خلال عام واحد أكثر من 12%.كما أصبحت البنوك تتهرب من منح قروض بالدولار،
وقد اتخذ بنك الادخار المركزي الحكومي في أواخر الصيف الماضي قراراً بإيقاف القروض بالدولار، وبالرغم من أن التفسير الرسمي لهذا القرار كان عدم توفر مصادر كافية لجمع العملات الصعبة، إلا أن الجميع يعلم أن القروض بالدولار لم تعد مجزية، وأصبحت عائداتها ضعيفة.أما البنوك التجارية فلجأت لزيادة فوائد القروض بالدولار، حتى تزيد من عائداتها أو تدفع عملاءها للتراجع عن هذه القروض.
ولابد من القول انه بالرغم من أن الدولار يواجه أزمة في الأسواق المالية العالمية بسبب ارتفاع الديون الداخلية على الحكومة الأميركية، مما أدى لانخفاض أسعار العملة الأميركية، إلا أن معدلات الانخفاض في روسيا تفوق معدلاته في البورصات العالمية، بسبب عدم توفر القدرة الكافية في البنك المركزي على تقليص تدفق العملات الحرة والناجم عن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية،
وكانت إدارة البنك تقوم بشراء الدولارات للحفاظ على أسعار الدولار في مستوى معين بهدف تقليص حجم التضخم، إلا أن زيادة تدفق السيولة من العملات الأجنبية أدى إلى أن البنك لم يعد قادرا على تطبيق هذه السياسة بشكل كامل ومثمر.ويتوقع الخبراء أن يستمر انخفاض أسعار الدولار في الأسواق المالية الروسية بنسبة تصل إلى 7% من أسعاره الحالية وذلك حتى بداية الشتاء القادم، ما لم يستعد الدولار مواقعه في الأسواق المالية العالمية.
في ظل انخفاض أسعار الدولار في الأسواق المالية الروسية، والذي تأرجح خلال الشهر الماضي بين 8 ,3%-1,1% ، كشفت استطلاعات الرأي التي أجراها مركز «الرأي العام الاجتماعي» أن الدولار قد فقد ثقة المواطنين الروس، حيث أعرب 53% عن ثقتهم في الروبل وعدم ثقتهم بالدولار، بينما أعرب 17% عن ثقتهم باليورو مقابل الروبل والدولار، وتمسك 11% فقط بثقته بالدولار.
ولابد من الإشارة إلى أن 15% من المواطنين يعتبرون الثقة بالعملة المحلية من المواقف الوطنية التي يجب أن يدافع عنها السكان .ويعتقد أكثر من 40% من ثلثي السكان الذين ليس لديهم مدخرات، أن الادخار بالروبل أكثر فائدة من الاحتفاظ بالمدخرات بالعملة الصعبة.ويستفيد 20% من السكان من فوائد الودائع البنكية التي تصل إلى 12% سنويا،
بينما لا يؤثر هذا الموقف برمته بشكل مباشر على ثلثي السكان الذين ليس لديهم آية مدخرات ويتقاضون رواتبهم بالروبل، حيث تكشف الدراسات عن أن متوسط دخل الفرد في روسيا خلال الشهر الماضي لم يزد على 320$.
من المعروف أن تحديد أجور العاملين في الشركات الخاصة يتم في روسيا بالدولار، مما يعنى انخفاض الدخل الفعلي للمواطن بالروبل، في نفس الوقت الذي تشهد فيه البلاد ارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات بالروبل بنسبة تتراوح بين 15-37%، بينما ارتفعت أسعار السكن بنسبة تصل إلى 32%، وازدادت أسعار البنزين والطاقة بنسبة تصل إلى 15%، كما تجاوزت معدلات التضخم 1, 1% .
وتشير الأوضاع الراهنة في أسواق المال الروسية إلى أن انخفاض أسعار الدولار يمكن أن يؤدي لازدياد معدلات التضخم خلال الفترة القادمة، ما لم تحاول الحكومة السيطرة على ارتفاع الأسعار، أو ربط الأجور بها، إلا أن الحل الثاني يتطلب توافر سيولة نقدية يفتقدها البنك المركزي الروسي لتقليص معدلات التضخم.وكان النائب الأول لحاكم بنك روسيا المركزي أندريه كوزلوف قدـ حذر من مخاطر تناقص السيولة النقدية في البنوك والأسواق، معتبرا أنها ستؤدي لأزمة بنكية في روسيا خلال العامين القادمين.
كما أن سياسة التهرب من منح القروض بالدولار من خلال زيادة فوائدها لابد وأن تؤدي إلى زيادة فوائد القروض بالروبل نظرا لزيادة الطلب عليها، مما سيؤدي لإضعاف إمكانيات قطاع واسع من المواطنين الذين يعتمدون على القروض الصغيرة، لسد احتياجات ملحة، أو حل أزمات مفاجئة.
وزارة المالية الروسية تعتقد أن انخفاض أسعار الدولار في أسواق المال يعود إلى سياسة «نظام الاحتياط الفدرالي الأميركي» للحفاظ على قدرات الاقتصاد الوطني التنافسية ، ومما لاشك فيه أن انخفاض أسعار الدولار يؤدي لزيادة مبيعات السلع الأميركية في الأسواق العالمية، إلا أن معدلات انخفاض أسعار الدولار في روسيا تفوق معدلات انخفاضه في الأسواق العالمية بسبب تدفق السيولة كما سبق واشرنا، وهو ما يؤدي عادة لارتفاع معدلات التضخم.
ويتوقع خبراء مجموعة « HSBC Holdings » البنكية أن يستمر انخفاض أسعار الدولار في أسواق المال الروسية بنسبة يمكن أن تصل إلى 6, 7%، مما سيسفر عن ارتفاع معدلات التضخم لأكثر من15% وفق تقديرات هؤلاء الخبراء ويستبعد خبراء وزارة المالية الروسية هذا السيناريو، ويعتقدون أن معدل انخفاض أسعار الدولار في روسيا لن يزيد على 3%، مؤكدين على أن معدلات التضخم لن تتجاوز أكثر من 9-11%.
ويبقى سؤال أساسي، هل سيكون تغيرا أو انخفاض أسعار النفط المتوقع وفق المعدلات التي ذكرت في موازنات الحكومة الروسية؟ ام ان تقديرات وزارة المالية غير دقيقة؟ لان عدم دقة هذه التقديرات يمكن أن يؤدي لأزمة جديدة في أسواق المال الروسية.
مركز دراسات الطاقة - روسيا