كيف تبدو المرأة في المشهد العالمي اليوم؟ سؤال يطرح نفسه في مناسبة 8 مارس يوم المرأة العالمي الذي يحتفل فيه العالم كل سنة بإقامة الاحتفالات والمهرجانات والندوات وبرفع الاحتجاجات المطالبة بحقوق للمرأة متساوية مع الرجل. تبدو الإجابة على هذا السؤال متناقضة باختلاف أوضاع المرأة حول العالم. من جهة، هناك نساء استطعن تحقيق الكثير على أكثر من صعيد،

في حين هناك الكثيرات ما زلن يواجهن ظروفا صعبة في العمل والمنزل والبيئة الاجتماعية، أيضا هناك دول استطاعت فيها المرأة الحصول على الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهناك دول أخرى ما زالت ترزح فيها تحت شروط من القهر والافتقار إلى حقوق اساسية وفي الدول العربية،

يشير تقرير التنمية الإنسانية إلى وجود مكاسب حققتها بشق النفس أجيال النساء من العربيات وأنصارهن من الحكومات وفي المجتمع المدني، والتي توجت بسلسلة من المنجزات التي يعترف التقرير بضرورة تحقيق المزيد منها والتعامل مع قضايا المرأة بالضرورة، «حيث هناك فرق بين الصدفة والضرورة».

وبمعزل عما استطاعت المجتمعات أن تحققه لوضع المرأة خلال السنوات الماضية، يبدو واضحا أن العولمة تركت الأثر الكبير على وضع النساء في الدول النامية، فعلى الرغم من دخول المرأة سوق العمل منذ القرن الماضي إلا أن العولمة وما فرضته من أنماط عمل جديدة كان لها الأثر العميق على أوضاعها، لاسيما في ظل تراجع شبكات الحماية الاجتماعية وزيادة الهجرة طلبا للعمل.

وهناك الملايين من النساء اللواتي هجرن بيوتهن إلى جانب الرجال للبحث عن عمل في بلدان أخرى، بعد أن قلصت الدول النامية الدعم وضبطت توظيفات القطاع العام وخصصت مرافقه في إطار سياسة المؤسسات المالية العالمية لتخفيض الديون.

ويقال إنه عندما تصبح المجتمعات اقل استقرارا فان النساء هن من يتحملن وزر الأزمات وعليهن العمل على إصلاحها، وعند خسارة الرجال وظائفهم هن من يعانين من ضغوطات متزايدة من خلال تحمل المزيد من المسؤوليات المالية والمعنوية والعاطفية.

والواقع يفيد انه مع تخصيص الخدمات الحكومية زاد عمل المرأة وتراجعت نوعية فرص العمل المعروضة أمامها. فعندما تنخفض برامج المساعدات الاجتماعية، فإن النساء هن من يتولين الاهتمام بالمرضى في المنازل ويطبخن للجيران العجائز ويعملن في منازلهن بأعمال خارج القطاع الرسمي وبأجور زهيدة، وهن من يحافظن على الأسر والمجتمعات واستقرارها، كما أن الفتيات هن الأكثر تأثرا بتراجع مداخيل العائلة حينما يتعلق الأمر بالتحصيل العلمي.

ونرى اليوم الكثيرات ممن يحملن الشهادات الجامعية وكن يعملن في القطاع الحكومي في وظائف ذات قيمة لبلدهن مثل التعليم والرعاية الصحية والعمل الاجتماعي، تحولن إلى عاملات في المصانع لدى الشركات العالمية الكبرى أو خادمات منازل. وهناك أيضا الكثير ممن تركن أولادهن وهم ما زالوا رضعا للانتقال للعمل في الخارج.

بالنسبة للمرأة كان أثر العولمة ملموسا إلى حد كبير. فتحويل العمل المنزلي إلى القطاع الخاص أظهر ربما أكثر من أي وقت مضى، كم كان عمل المرأة مبخوسا في قيمته عبر التاريخ. فقد انتقلت وجبات الطعام من أيديهن إلى شركات متعددة الجنسيات متخصصة في الأغذية والأطعمة الجاهزة. كما خسرن الصناعات المنزلية من الخياطة إلى الحياكة وغيرها إلى الشركات، ليتحولن إلى عاملات في المصانع لا يجدن إلا عملية واحدة في مسار إخراج قطعة ملابس كاملة.

وكان المؤتمر العالمي الدولي الرابع في بكين والذي انعقد منذ عشر سنوات قد وافق على برنامج عمل لتحسين حياة النساء والبنات في العالم، وربط الأمر بمكافحة الفقر بعد أن تبين وجود تفاوت كبير على صعيد عدم التكافؤ بين الجنسين في اكتساب وتوظيف القدرات الإنسانية.

كما اقر عقد الأمم المتحدة للتنمية بحقيقة أن السياسات الاقتصادية فشلت في مقاربة احتياجات النساء. والحال أن العولمة بتأثيرها على أنماط العمل، قد يكون لها تأثير كبير في المجتمعات في الجانب الاجتماعي أيضا.

فمع انتقال النساء إلى سوق العمل بأعداد هائلة في السنوات الأخيرة ومع اقتلاعهن من جذورهن للعمل في الخارج، فإن نوعا من الاستقلالية لديهن قد تحقق، وهؤلاء سيعدن إلى مجتمعاتهن بموروث ثقافي آخر وربما بنظرة اجتماعية مختلفة. فهل سيتغلبن على الموروث الثقافي في مجتمعهن لتأكيد ونيل حقوقهن؟ وربما عليهن أن لا ينسين قوتهن على تحمل الصعوبات وفي ظل ظروف عمل مضنية، والتطلع نحو عالم أكثر إنسانية وأكثر دفئا وإنصافا وعدلا.