على مدى العام الماضي المشحون بالأزمات وعلى طول الطريق الشاحب الضوء القادم من القمة العربية السابقة في «الخرطوم» إلى القمة العربية القادمة في «الرياض»، لاحت في الأفق العربي والإسلامي بعض الإشارات المضيئة لتبدد بعضا من ظلامه، وبعض التحركات الإيجابية لتزيل جزءا من عوائقه،

وبعض المبادرات الناجحة لتبعث الأمل في إمكانية استمرار المسيرة العربية للصعود إلى القمة، والقمة التي نعنيها هي أعلى نقطة يمكن أن يصل إليها العمل العربي المشترك وهي استعادة الإرادة، وتحقيق الوحدة بما يوفر القدرة على استعادة الأرض و حماية الكرامة وتحقيق الاستقلال والعدالة والحرية لشعوبنا العربية.

من بين هذه الإشارات والتحركات والمبادرات نجاح الرعاية السعودية في التوصل إلى «اتفاق مكة» بين حركتي «فتح» و«حماس» بعد الجهود المصرية والسورية، مما شكل تحولا نوعيا إيجابيا على المراهنات والتوازنات في الساحة الإقليمية والدولية،

وقطع الطريق في وجه مخططات الفتنة بوقف نزيف الدم و إفشال مؤامرة الحرب الأهلية وفتح الطريق للوحدة الوطنية الفلسطينية، والأهمية في ذلك تنبع من أن مصير العرب والمسلمين يتقرر في فلسطين وفي هذا المجال يبدو الوعى بضرورة منع انقسام العالم العربي ومنع تقسيم المسلمين حول مسائل مذهبية تنتمي إلى الماضي وتعوق التحرك نحو المستقبل.

ومن بين التحركات الإيجابية التي يمكن أن تحول المشهد العربي من حالة التأزم إلى حالة التوافق ما راج من أنباء حول مساع مصرية لعقد قمة رباعية بمشاركة سعودية وسورية وليبية تنقى الأجواء العربية مما يشوبها من خلافات معلنة وتوترات صامتة أثرت وتؤثر سلبا على إمكانية حل القضايا العربية الرئيسية،

حيث ثبت باليقين أن سياسة العزل والانعزال بين الأطراف العربية لم ينتج عنها إلا تراجع الموقف العربي أمام الهجمات التآمرية، ونجاح مثل هذه القمة الرباعية قبل القمة الجامعة تفتح الطريق أمام مسيرة العمل العربي المشترك للتحرك بروح وفاقية تضامنية قومية حول القضايا المصيرية بفاعلية حقيقية ودون محاور فرعية للصعود نحو القمة.

أيضا جاءت القمة السعودية الإيرانية قبل أيام لتضع أساسا ممكنا لكسر الدوائر المغلقة، واختراق الحواجز النفسية الوهمية بين المسلمين أيا كانت مذاهبهم وتبايناتهم السياسية للوفاق والتضامن العربي الإسلامي، والإسلامي الإسلامي حيث السعودية مركز الثقل السني وإيران مركز الثقل الشيعى يمثلان معا جناحا الأمة الإسلامية بما اتفقا عليه من ضرورة العمل معا لإيجاد الحلول من خلال الجهد المشترك لملفات القضايا المفتوحة في فلسطين والعراق ولبنان.

ثم جاءت نتائج مؤتمر وزراء الخارجية العرب والتصريحات الإيجابية للأمين العام للجامعة العربية التي حددت المواقف من التحركات الدولية غير الإيجابية تجاه القضايا العربية الأساسية، وكذلك مؤتمر وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي وتصريحات الأمين العام للمجلس وضرورة التنسيق بين ضفتى الخليج بعد اللقاء الإيراني السعودي،

فضلا على الانفتاح العربي بصورة أكبر مع روسيا والصين والدور الموازن الذي يمكن أن يلعبه لمنع الانفراد بالمنطقة وعلى حساب قضاياها ومصالحها بما بدى للمراقبين نقلة نوعية جديدة باعثة على التفاؤل، ومغايرة لما عاشته الحالة العربية والإسلامية من شعور بالإحباط والتشاؤم بسبب التوترات والمحاور الضيقة والخلافات السياسية والمذهبية التي تمثل أكبر إسهام في تمرير المخططات المعادية لآمال شعوب هذه المنطقة من العالم.

وفي هذا الصدد أكد العاهل السعودي أن السعودية لديها قناعات راسخه تتجسد في «العمل من أجل ترابط الوطن العربي، وترسيخ الهوية العربية لجميع أبنائه بصرف النظر عن العرق والدين والمذهب فالانتماء إلى وطن عربي واحد هو الرابط بين الجميع»، إضافة إلى «السعي إلى توثيق لحمة الأمة الإسلامية، والتفاهم بين المذاهب، والتقريب بين ثقافات ومجتمعات العالم الإسلامي».

ودعا الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى العمل على «مد جسور التفاهم والتعاون مع كل الدول المحبة للسلام، ومع كل القوى والتيارات التي تقول بتعايش الحضارات وبالإرث الإنساني الحضاري المشترك»، إضافة إلى «التصدي لقضايا الوطن والأمة والإسهام في استقرار ورخاء العالم من خلال هذه القناعات».

ومن المعلوم في السياسة بالضرورة أن التحديات الكبرى تتطلب الاستجابات الكبرى، والمحن الصعبة التي تواجه الأوطان والأمم تتطلب من القادة والشعوب التصدى لمواجهتها بالإرادات الصلبة والمشاركة الجماعية الحرة في صنع القرار، وحين تشتد الأزمات على المستوى القومى أو على المستوى الوطنى تختبر مواقف الرجال وشجاعة الرجال وحكمة الرجال..كل الرجال.. سواء كانوا على مستوى القمة الرسمية بمسؤولية الواجب بمالها من سلطات وما عليها من مسؤوليات، أو على مستوى القاعدة الشعبية بواجب المسؤولية بما لها من حقوق وما عليها من واجبات.

وعلينا أن نعترف بأن أوطاننا القطرية و أمتنا العربية تواجه أكبر التحديات في تاريخها، وأصعب المحن التي مرت بها، وأشد الأزمات التي تكاد تعصف بها، تحديات أمنها ووجودها، ومحن الاحتلال الأجنبى البغيض في فلسطين والعراق والصومال، والفتن الأهلية في السودان والجزائر ولبنان، وأزمات مايبدو انسدادا للآفاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العديد من أقطارنا العربية لأسباب داخلية تتحمل مسؤوليتها طبيعة نظمنا العربية، وأسباب خارجية نابعة من استمرار خطط التقسيم الاستعمارية تقسيم العالم العربي، وتقسيم الأمة الإسلامية.

وفي مواجهة ذلك كله ترى الشعوب الكثيرمن المواقف الرسمية مما يثير استغرابها ودهشتها بل وصدمتها أحيانا، من ذلك مثلا الشعور بأن بعض الأنظمة تتوافق وأحيانا تتطابق مع استراتيجيات ومخططات رسمت من خارج هذه المنطقة وضد وحدة واستقلال ومصالح شعوبها، وبالقصد والإرادة أحيانا وباللاقصد وبالضغط غالبا تفتح الطريق لتمرير المشاريع الدولية المرفوضة والمفروضة على المنطقة العربية والإسلامية على حساب المصالح الوطنية والقومية.

وفي حين تسعى قوى الهيمنة الدولية والإقليمية الأميركية والصهيونية لاستكمال مسلسل «سايكس ـ بيكو» لمواصلة تقسيم العالم العربي المقسم وتجزئ الأمة الإسلامية المجزأة، أو لوضع العرب في موقف التناقض مع محيطهم الإسلامي تارة أو الأفريقي تارة أخرى، مثلما يحدث الآن في «نووي إيران» أو «دارفور السودان» بإثارة النزاعات وتضخيم الخلافات وتعقيد الأزمات، بالإملاءات أو بالتحالفات، بالعقوبات أو بالمساعدات لدفع الأطراف إلى خط المواجهة، ومع أن هذا تحديا لوعينا وإرادتنا وقدرتنا على التصدى له لإحباط أهدافه،

فإن المثير للتساؤل هو أن تأتي الاستجابة لهذا التحدى على شكل محاور جديدة تكرس ا لتقسيم إقليميا المراد تحقيقه دوليا بالإعلان عن مؤتمر «للعرب المعتدلين» لعزل سوريا، ومؤتمر «المعتدلين المسلمين» لعزل إيران، كما يتجلى الانقسام العربي والإسلامي الرسمي في الانحياز لطرف ضد طرف في الأزمات الوطنية سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان أو الصومال أو السودان مما يزيد من تفاقم الأزمات ويعرقل محاولات التوصل إلى حلول!

من هنا كنا دائما لانستطيع أن نخفي على أنفسنا أن الاستجابات المطلوبة لم تكن على مستوى التحديات المطروحة سواء من جانب النظام الرسمى العربي ممثلا في جامعة الدول العربية برغم جهود أمينها العام أو من جانب النظام الرسمى الإسلامي ممثلا في منظمة «المؤتمر الإسلامي» برغم ثقافة أمينها العام،

وفشل كل من النظامين في هذه المرحلة المصيرية في التعبير عن تطلعات الشعوب، وبقى سقف تطلعات ومطالب القواعد الشعبية أعلى بكثير من سقف قرارات ومواقف القمم الرسمية، وبقيت الفجوة واسعة حين تقدمت مواقف الشعوب مواقف الحكومات، وتخلفت قدرات الحكومات عن تلبية مطالب الشعوب.

لقد ظهرت مواطن الفشل سواء في مواجهة العدوان الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطينى وعلى المقدسات الإسلامية والمسيحية في المسجد الأقصى أو على كنيسة المهد، وفي محاصرة شبح الفتنة المذهبية، وفي التصدي المباشر للاحتلال الأنجلو أميركي الذي قتل مليونا من الشعب العراقى وهجر أربعة ملايين هربا من جحيم الاحتلال والإرهاب،

وفي الوقوف الحازم تضامنا مع السودان في مواجهة التهديدات الأميركية بالتدخل العسكري وبالعقوبات الاقتصادية وبالملاحقات القضائية الدولية، وحتى في الصمت المخزي المبين إزاء الاحتلال الإثيوبى للصومال العربي!

وهذا ما برر وصف هذه المرحلة التي مضت بأنها أسوأ مراحل العمل العربي، والإسلامي المشترك بما يضاعف التحدى أمام القمة العربية،

وبما يضاعف الحاجة إلى إستجابة مضاعفة القوة مضاعفة التضامن، ومضاعفة الارادة لتغيير المشهد العربي الحالي إلى مشهد يليق بأمة الرسالات السماوية وبمهد الحضارات الإنسانية وبشعوب الأمة العربية الأبية بما يحفظ وحدتها واستقلال إرادتها وكرامتها، وإذا كان ديمقراطيا أن أعلى مايجب أن تحققه القيادة هو أن تكون تعبيرا عن الشعوب التي حملتها إلى قمة السلطة و حملتها أمانة المسؤولية، فإن أغلى ما يمكن أن تصل إليه القمة الرسمية ديمقراطيا أيضا هو الإرتفاع إلى مستوى الأماني القومية للقاعدة الشعبية.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com