لم أكن أتخيل أني أفعل! لم أكن أتخيل يوما أنه سيأتي يوم أكتب فيه عن رحيل الزميل العزيز والصحافي الكبير والقدير جوزيف سماحة الذي كان له الفضل في خط سير العديد من الصحافيين وشكل مدرسة بمعايير عالية وراقية يصعب أن يتنصل أي منا مما تعلمه منها، فبصمات جوزيف واضحة في كتابات الكثير منا، وأثره في الحياة الإعلامية وفي أقلامنا جلي وسيكون بعيد المدى إلى الحد الذي يدفعني إلى القول إنه إنسان وليس صحافيا فحسب يصعب تكراره.
الصدمة أقوى من قدرة الأقلام على التعبير عن عمق الخسارة التي منينا بها من رحيل جوزيف سماحة. كأنه خطف من بيننا في غفلة عنا وقبل الأوان. لم يمرض حتى لينذرنا قليلا كي نذهب للاطمئنان عنه. كثير منا كان يود أن يراه لكن إحساسنا بأننا نملك الوقت وهو هناك في مكتبه ينتظر يجعلك تؤجل رؤياه إلى حين، فهو هناك ونملك الوقت والعمر كي نراه ونسأله الرأي والمشورة.
لكننا لم نكن نملك الوقت، ولم يتسن لنا أن نقول له كلماتنا الأخيرة، أو نبوح له بمحبتنا وتقديرنا على الفرص التي أتاحها لنا بالانخراط في العمل الصحافي أو الاحتضان الذي وفره للكثيرين منا ولم يبخل به على أحد، لا سيما أقلام الشباب والنساء وكنت منهم، ممن أخذ جوزيف سماحة بيده ومنحني شرعية الانضمام إلى تجربة الصحافة من أوسع أبوابه: باب التحقيقات!
كان كريما من غير منة، وعطوفا على الجميع تسبقه ملامح وجهه ولا تعوزه الكلمات كي تشعر بالعطف والاحتضان والحماية والتشجيع والثقة. . . والحث على الكتابة من غير خوف سوى ما يفرضه الحرص على المصداقية المهنية أو الوقوع في مخاطر يصعب طري العود منا أن يتحمل عبء مواجهتها. كان مهيبا في رقة، ونبيلا بأسلوبه ومحترفا ببلاغة التواضع والحكمة، ينهل من المعرفة ولا يبخل بها على أحد، يستعين بها على العصي على الفهم في زمن غاب فيه المنطق وسادت فيه شريعة الغاب.
لم يتزحزح أنملة عن دعمه للقضية الفلسطينية رغم الصعوبات العديدة التي لوت أذرع الكثيرين ووضعت مصداقيتهم كمثقفين قيد الشك. لم يكن جبانا يوما بل كان يقول كلماته بهدوء ويكتب ما يؤمن به. أما الصفة التي لازمته طوال حياته فهي الدماثة التي كان يتمتع بها وكنا نستمتع نحن أيضا بدماثته التي كانت تمنحنا الإحساس بالاحترام وتشجعنا أن نكون من نكونه اذ نتطلع لقول الحقيقة مها كلف الأمر.
أما الحب الذي يحمله له الكثيرون زملاء وأصدقاء و«أعداء» إذ كان من الصعب أن تعادي جوزيف سماحة ولا تشعر بالخجل من نفسك، فالرجل متسامح مهما بلغت الأذية له ولا يتردد لحظة في مساعدة أي زميل مهما اختلف بالرأي معه أو أساء هذا الزميل إليه، يساعد بصمت جليل ويخجل إن شكرته ويغير الموضوع على الفور.
أقصى ما كان يمكن أن يطلبه منك هو مساعدة صديق آخر يحتاج للمساعدة وهو مدرك بقدرتك على أن تفعل، فتفعل. كان العرب الأول للصحافيين بمختلف اتجاهاتهم وكلنا يدرك ما فعله حين تولى رئاسة تحرير جريدة الأخبار والخلطة غير المتجانسة من الأقلام التي جمعها، وجسد رؤياه من خلالها، وهو ما لا تجده في أية جريدة فكيف والحال هذه أن كان تمويلها يأتي من جهة دينية وهو اليساري بامتياز.
مهما قلت وتحدثت عن جوزيف سماحة فلن أوفيكم حقكم في معرفة الرجل جيدا في هذه العجالة القصيرة، ولن أوفيه حقه أنا التي تدين له بالكثير، ليس كمعلم كبير في عالم الصحافة العربية والدولية، بل مجرد معرفتي أنه هو هناك، ما زال هناك في مكتبه في الحياة أم السفير أم الأخبار كان يمنحني إحساسا عميقا بالأمان وأن دنيا الصحافة في لبنان رغم الفساد الذي ينخر قممها، ما زالت بوجود جوزيف سماحة بألف خير!
لكنه رحل الآن! رحل ولم يعد بالإمكان أن تتخيل الصحافة من غير جوزيف سماحة! فقد رحل في موته النبيل سهلا ممتنعا رائحته تملأ الأمكنة والحبر والأوراق في الوداعة ذاتها التي عصيت على القلق والأزمات والطعن بالخناجر!!
جوزيف سماحة: نحبك!