بقيت صورة الصحافي الذي يكتب الصحيفة أو المجلة من الغلاف إلى الغلاف هي المثال الذي يردده أصحاب الصحف ورؤساء التحرير ومديرو التحرير على الصحافيين الشبان وهم يقرعونهم أو ينصحونهم حول الصورة المثلى التي يجب أن يكونوا عليها عند تأدية واجبهم.

لكن هذه الصورة التي تآكلت قليلاً في العقدين الأخيرين على الأقل، تقوم على فهم مشوش لنموذج الصحافي الأمثل. فهي إذ تعلي القدرة على الكتابة والإنتاج الغزير وهي ميزة مطلوبة وأساسية، فإنها أيضاً بالمقياس العملي ودون وعي تهمل منتج الكتابة أو ثمارها.

يكتسب هذا السؤال أهميته اليوم عند محاولة تقييم أو استقراء الصحافة العربية المكتوبة. فنموذج الصحافيين يدل على نوع الصحافة التي يعملون بها.

حتى الآن، بقيت الصحف العربية في غالبية البلدان العربية مشروعات محلية. وهذا قد لا يرجع إلى خلل بالضرورة، لكنه يسلط الضوء على الجانب الأكثر إهمالاً في الصحافة العربية والأكثر غيابا في أوساط المستثمرين الذين يديرون مشروعات صحافية، انها لم تتحول إلى صناعة بعد.

ثمة فارق مهم يتعين إدراكه بين أن تشكل مجموعة من الصحف والمطبوعات في أي بلد سوقا محليا للصحافة، وبين أن تمثل هذه الصحف نواة صناعة تملك قابلية النمو والتطور صحافيا وتجاريا كمشروعات تجارية.

ان أي سوق يقوم على المنتج وعلى جودة المنتج وإمكانية المنتجين على تطوير هذا المنتج. المنتج في الصحافة هو المعلومة، هنا يتبين أول الاستدراكات التي يتعين علينا التوقف عندها. فالمعلومة لا تزال في ترتيب متأخر في الصحافة العربية لحساب الوصف والدعاية. هذا ما يجعل المنتج الذي تقوم عليه أسواق الصحافة المحلية وسوق الصحافة العربية يفتقد للجودة.

هناك استثناءات بالتأكيد وثمة من التجارب اللامعة ما يمكن الإسهاب في الحديث عنه، ومن المؤكد أن تقييم الصحافة العربية مرتبط وبشكل عضوي بالأوضاع السياسية التي سادت البلدان العربية منذ نشأة الصحافة العربية قبل أكثر من 100 عام. الأمر المؤكد هنا ان العلاقة بين الحرية والصحافة علاقة عضوية.

هذا يقود إلى استنتاج أول أن الصحافة العربية تأثرت بشدة بالأوضاع السياسية في بلدانها، وإذا كانت الحريات هي المعضلة التي لا فكاك منها حتى اليوم، فالثابت أن الصحافة تعرضت للقمع بل أسوأ واشد أشكال هذا القمع.

لقد أثمر هذا ترديا مخيفا في مستوى الصحافة العربية لأن المعلومة أصبحت هي العدو الأول، وإذ تم حجب المعلومة فماذا تبقى أمام الصحافة لكي تقدمه؟

لم يؤثر هذا على نوع الخدمة الصحافية التي يفترض أن تقدمها الصحف، بل انه حال دون نمو الصحف إلى مستوى الصناعة التي تملك سوقها وأدواتها وآفاق التطور والنمو وأصبحت تعتمد على مستويات اقل من المهارة والكفاءة. إن مفهوم الصناعة بالنسبة للمستثمرين العرب في ميدان الصحافة المكتوبة مازال يدور حول الرساميل والكلفة اللازمة لإنشاء صحيفة.

ابعد من هذا، لا تزال الصحف تراوح بين مساعي البقاء في أسواق صغيرة مكتفية بحصص من السوق تكفيها للاستمرار، وبين مساع للانطلاق عبر الأسواق الإقليمية. النوع الأخير من الطموحات تقوده صحف قليلة معدودة على أصابع اليد.

ان صحافة دول الخليج مثلا، تقدم مثالا حيا على الكيفية التي أخفقت فيها الرساميل الضخمة في خلق صناعة صحافية على مستوى عال من الاحتراف في الخدمة وتملك آفاقاً للنمو.

فالمطابع الحديثة والمكاتب الفخمة واستخدام آخر تقنيات الإنتاج، لم تفلح حتى اليوم في تقديم بضاعة إعلامية على مستوى عال من الجودة. الدليل أن بعضا من اكبر الصحف العربية انتشارا والتي تستند إلى رساميل ضخمة وسنوات طويلة في السوق، عمدت إلى شراكات (syndication) مع صحف عالمية.

هذا دليل على أن هذه الصحف لا تجد من الصحافيين من يمكنها أن تقدم موضوعات مثيلة كتلك التي تطلبها عبر اتفاقات الشراكة هذه. ان هذا قد يكون ايجابيا للتحفيز وترسيخ تقاليد جديدة في تقديم الموضوعات، لكن بالمقياس الزمني تبدو الخطوة متأخرة ولعل هذا ابرز مؤشر على الأذى البالغ الذي أصاب الصحافة طيلة العقود الماضية وحتى اليوم.

حتى اليوم، لا تزال الصحافة تمثل أداة دعائية بالنسبة للحكومات. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت الشراكة بين المستثمرين والحكومات تثمر صحفا ومحطات تلفزة، لكن الأفق ظل هو نفسه لأن الدوافع غالبا ما تكون سياسية.

ان هذا الفهم السائد حيال الصحافة وثيق الارتباط بالتأكيد بالعناد التاريخي الذي لا تزال تتخذه جل النخب الحاكمة حيال الحريات وحرية التعبير على وجه الخصوص. ليس هناك موقف مرن يتيح للصحافة أن تزدهر كصناعة، لأن الصحف حتى الناجحة منها معرضة للانتكاس ان هي مضت في ممارسة حرية تعبير غير معهودة أو تخطت بعضا من الخطوط الحمر والقوانين غير المكتوبة في المجتمعات العربية.

لكن ثمة استدراكا مهما يطرحه هذا السؤال: هل يبرر غياب الحريات تردي المستوى الاحترافي للصحافة؟ بالتأكيد الجواب سيكون لا. ومن يجادلون بالعكس، هم أولئك الذين لا يرون في الصحافة ابعد من وسيلة لخوض المعارك السياسية، وللأسف فإن هؤلاء كثر وهذا المفهوم هو الرائج حاليا خصوصا في البلدان التي تختبر نوعا من الانفتاح السياسي حديثا.

إن هذا عنصر مهم آخر يضيف جرعة جديدة من الضعف إلى المستوى الاحترافي للصحافة العربية، بل ويمثل عائقا جديدا أمام تطورها لأنه يختزل دورها الى حدود ضيقة ويجعل من الهجاء السياسي نموذجا أمثل للصحافة على حساب المعلومة والتحليل.

يمكن تلمس أشكال أخرى من التردي في ندرة الكفاءات التي باتت إحدى حقائق سوق الصحافة على المستوى العربي. فحتى في البلدان التي تملك صحافة عريقة، أصبح محررو الشؤون العربية والدولية الأكفاء نادرين بشدة، والمخرجون الذين يبتكرون تصميم الصفحات بعد قراءة الموضوعات، حل محلهم اليوم مخرجون لا تصل مهاراتهم إلى ابعد من إجادة التعامل مع برامج التصميم الالكترونية.

أما صحافيو التحقيقات ذوو الحس الاستقصائي فقد حل محلهم صحافيون أقصى ما يقدمونه هو المقابلات واستطلاع الرأي. وهذا يرجع في الجانب الأكبر منه إلى غياب التقاليد داخل الصحف، فإحدى أهم الحقائق الأكثر، إيلاما في الصحافة العربية والخليجية على وجه الخصوص، أنها تفتقد التقاليد المهنية التي يمكن أن يبني عليها الصحافيون الشبان تجربتهم. أما الاستثناءات القليلة التي يمكن الإشارة إليها هنا فهي تؤكد القاعدة السائدة، وهي في النهاية استثناءات.

كاتب بحريني