ما هو النعت المناسب الذي يمكن أن نصف به تقرير الولايات المتحدة السنوي عن حقوق الإنسان في العالم؟
عن غير قصد وبطريقة غير مباشرة أعطتنا واشنطن نفسها إجابة عملية عن هذا السؤال. فقد تزامن مع صدور التقرير هذا الأسبوع إعلان أميركي رسمي قررت الولايات المتحدة بموجبه «الامتناع عن دخول» مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بحجة أن هذه الهيئة الدولية فقدت مصداقيتها «عبر هجماتها المتكررة على إسرائيل».
لا أعزم هنا إثارة جدل عما إذا كانت إسرائيل إحدى الولايات المتحدة الأميركية أو أن الدولة اليهودية هي التي تتحكم في التحرك الدولي للقوة العظمى، لكن هذا التحيز الأميركي الفاضح لإسرائيل الذي يبلغ درجة الولاء الكامل، يكشف لنا المنظور الثابت الذي تبنته وزارة الخارجية الأميركية في تصنيف دول العالم في دائرة الشر أو الخير من خلال التقرير السنوي الأميركي لحقوق الإنسان.
لكن دعنا أولاً ننظر في الحيثيات التي أسست عليها الإدارة الأميركية قرارها بأنها من أجل التضامن مع إسرائيل فإنها لن تسعى للحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. في هذا الصدد تقول وزارة الخارجية الأميركية ان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس مقتنعة تماماً بأن المجلس فقد مصداقيته منذ الصيف الماضي «بانتقاده التدخل العسكري الإسرائيلي ضد لبنان».
لاحظ الانتقائية اللفظية الحذرة، فإسرائيل ـ وفق الوصف الأميركي ـ لم تشن «حرباً» على لبنان تواصلت لأكثر من شهر براً وبحراً وجواً، وإنما ما جرى هو مجرد «تدخل عسكري». مع ذلك ليس في الأمر جديد. فمن ثوابت السياسة الاميركية أنه عندما تشن إسرائيل اعتداءً على الفلسطينيين واللبنانيين، فإن مثل هذا الاعتداء هو في كل الأحوال «دفاع عن النفس». أما عندما تشن المقاومة هجمات ضد القوة الاحتلالية فإن هذه الهجمات تدخل في تعريف «الإرهاب».
وما ينطبق على المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية ينسحب على المقاومة في كل من العراق وأفغانستان الواقعتين تحت احتلال أميركي. يصف التقرير الأميركي المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي بأنها مجموعات مسلحة تضم الذين يعبرون عن عدائهم للحكومة العراقية «مثل إرهابيي القاعدة وعناصر نظام حزب البعث والمتمردين الذين يقومون بحرب عصابات مسلحة».
لكن التقرير يشير أيضاً إلى مجموعة ثانية تضم «أعضاء الميليشيات الشيعية وأجهزة الأمن التابعة لمختلف الوزارات والمتحالفة نظرياً مع الحكومة وارتكبت أعمال تعذيب وتجاوزات أخرى».
هنا يطرأ سؤال: أليس بروز هذه الميليشيات الشيعية أحد إفرازات الاحتلال الأميركي للعراق؟ وألا تخضع هذه الميليشيات ومعها الأجهزة الأمنية المشار إليها لقيادات الائتلاف الشيعي الحاكم التي اختارتها السلطة الاحتلالية كشريك وحليف؟ وكأن الإدارة الاميركية تتدارك هذه الحقيقة المشينة بأن الاحتلال هو المنبع الأصلي لكل الشرور في عراق اليوم.. فسارع التقرير إلى القول إن حقوق الإنسان في العراق «تشهد تحسناً» بالمقارنة مع ما كان عليه في عهد صدام حسين.
لقد ارتد العراق إلى العصر الحجري ـ كما هو عليه حاله الآن في ظل الاحتلال. صدام أذل العراقيين من دون شك، لكنه في الوقت نفسه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.