بعد أن تبددت من قبل الآمال في إيقاف نزيف الدم الذي يسيل فوق أرض الرافدين، يتجدد الأمل مرة أخرى مع انعقاد المؤتمر الدولي حول العراق الذي يبدأ اليوم في العاصمة بغداد. لقد عقدت على مدى السنوات الماضية التي أعقبت الحرب سلسلة من المؤتمرات تحت مسمى مؤتمرات دول الجوار،
وكان كل مؤتمر يحدوه الأمل في رفع المعاناة عن الشعب العراقي المثابر الذي تنزف جراحه بلا هوادة، ولكن للأسف اتسعت رقعة العنف وبدا أنه لا أمل في تجفيف الدماء وتضميد الجراح. وزادت آلام العراقيين، الأمر الذي دفع عشرات الآلاف الى ترك الديار والممتلكات هربا من الجحيم الذي ابتلي به هذا البلد العربي الكبير،
وبات المشهد مفجعا وكأنه مكتوب على أرض الرافدين أن يسبح أبناؤها في حمامات الدم في ظل تصاعد العنف الذي يحصد أرواح العشرات يوميا حتى أصبح من المعتاد أن نستيقظ صباحا وقد تصدرت عمليات التفجير التي يسقط بفعلها أبرياء في المدن العراقية نشرات الأخبار.
أربع سنوات، وجراح العراق لا تضمد والدماء فوق ربوعه لا تجف. وطن غال ونفيس بالخيرات لا يعرف استقرارا ولا أمنا ولا أملا في الغد. ومع ذلك نقول، هناك أمل في مؤتمر بغداد رغم حالة اليأس التي تنتاب رجل الشارع العراقي غير الآمن على أبنائه الذين يطاردهم شبح الموت في كل لحظة.
ان ما يميز المؤتمر هو حجم المشاركة «الجادة» التي لم تتوافر في مؤتمرات دول الجوار السابقة. فالمؤتمر يجمع دول الجوار العراقي - جميعا - والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي - الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وفرنسا وروسيا- التي لها الكلمة العليا في ضبط الأحداث الإقليمية والعالمية، بل ومن المفترض أنها - اذا اتفقت وتطابقت مواقفها بلا استثناء - تعبر بكل صدق عن نبض المجتمع الدولي وتطلعاته.
ما يميز المؤتمر هو الاهتمام الأميركي بمشاركة سوريا وإيران فيه، بل ان الولايات المتحدة أرسلت اشارات على أنها مستعدة لإجراء محادثات ثنائية مع إيران وسوريا قائلة انها لن ترفض المحادثات الثنائية معهما في مؤتمر دول الجوار اذا رغبت أي من الدولتين مناقشة تحقيق استقرار العراق. وقال منسق وزارة الخارجية المسؤول عن العراق ديفيد ساترفيلد «إذا تمت مفاتحتنا من جانب السوريين أو الإيرانيين لمناقشة قضية متعلقة بالعراق وثيقة الصلة بهذا الموضوع وهو عراق مستقر وآمن ويسوده السلام وديمقراطي لن نستدير ونسير مبتعدين».
ويرى المراقبون أن مؤتمر بغداد سيشكل بالفعل فرصة لإجراء محادثات ثنائية بين الولايات المتحدة والدولتين. ويأتي انعقاد المؤتمر أيضا في ظل تنفيذ الخطة الأمنية الجديدة في بغداد، وهي خطة يأمل الأشقاء العراقيون أن تؤتي ثمارها في تحقيق الأمن والاستقرار المفقودين.
حقيقة أخرى، تجعل من مؤتمر بغداد ذا أهمية كبرى للأميركيين، فهم يشعرون بأن العراق بات مستنقعا يتساقطون فيه إلى درجة أنهم لا يستبعدون أن يتكرر لهم ما حدث قبل ثلاثين عاما في فيتنام. ويحسب لقائد القوات الأميركية في العراق ديفيد باتريوس شجاعته عندما أقر بشكل صريح بفشل الحل العسكري في العراق.
وقد اقترح زعماء ديمقراطيون في مجلس النواب الأميركي سحب كل القوات الأميركية من العراق خلال موعد لا يتجاوز منتصف عام 2008 قائلين ان استراتيجية الرئيس جورج بوش باءت بالفشل. صحيح أن البيت الأبيض راح يلوح بفيتو الرئيس ضد الكونغرس اذا صوت لصالح انسحاب تلك القوات، الا أنه من الصعب أن تنكر الإدارة الأميركية انها تبحث عن مخرج لحفظ ماء وجهها في العراق بعد أن خسرت الرهان في اقامة عراق جديد تسوده الديمقراطية والرخاء.
والبعض يلمح الى أن فكر الإدارة الأميركية سيتغير، بعد ان خرج منها دونالد رامسفيلد مهندس الحرب من البنتاغون، بل هناك من يؤكد أن نفوذ نائب الرئيس ديك تشيني صاحب الاتجاه المتشدد في السياسة الأميركية تجاه العراق بدأ يتضاءل شيئا فشيئا،
وهذا ما قاله الكاتب جون هيوز في صحيفة كريستيان ساينس مونتور الأميركية الذي أشار أيضا إلى أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس تسعى إلى أن تبدل السياسة الأميركية من المواجهة أو التهديد إلى سياسة الاحتواء الدبلوماسي من خلال ما يسمى بالإطار المتعدد الأطراف. إننا نأمل أن يتحقق من خلال مؤتمر بغداد كل الأمل في إنقاذ العراق وانتشاله من محنته.