استقطب الخطاب التاريخي الذي القاه جلالة الملك عبدالله الثاني يوم اول من أمس امام الكونغرس الاميركي بمجلسيه، اهتمام الدوائر السياسية والدبلوماسية والاعلامية الاميركية وتلك الاجنبية المتواجدة على الاراضي الاميركية سواء في الامم المتحدة ام في السفارات والهيئات الدبلوماسية بل وتعداه الى انحاء العالم ان لجهة القوة والصراحة والوضوح والقراءة الدقيقة والعميقة التي تحدث بها جلالته امام ممثلي السلطة التشريعية الاميركية في اول خطاب لزعيم عالمي يستمع اليه الكونغرس في تركيبته الجديدة التي جاءت بعد انتخابات تشرين ثاني الماضي أم لجهة حصر جلالة الملك خطابه على القضية الفلسطينية وربط القضايا والمشكلات والحرائق المشتعلة في المنطقة وعلى تخومها بايجاد حل لهذه القضية حيث عانى الشعب الفلسطيني ستة عقود من الحرمان واربعة عقود من الاحتلال وما تزال عملية السلام تراوح مكانها.

من هنا رأينا التحليلات والقراءات والتعليقات والمتابعات على خطاب جلالة الملك في المحطات الاميركية وفي الفضائيات الاوروبية والعربية كذلك في الصحافة المكتوبة قد ركزت مباشرة بعد انتهاء الخطاب على الملامح والاشارات التي انطوى عليها هذا الخطاب غير المسبوق في وضوحه وشجاعته والذهاب المباشر الى الموضوع بعيداً عن الغموض والازدواجية وعلى قاعدة ان جلالته جاء الى هذا المكان كي يتكلم لأنه لا يستطيع التزام الصمت.

معلقون وكتاب ومحللون توقفوا عند مغزى هذه العبارة المثقلة بالمعاني والدلالات لأن الصمت لم يعد خياراً ولأن جلالة الملك جاء ليتحدث عن السلام في الشرق الاوسط عن سلام حقيقي ودائم شامل وعادل بكل ما يمثله من قيم نبيلة وانسانية عظيمة السلام الذي يتحدث عنه الملك باسم الأردن الشعب والوطن والتاريخ والحضارة وباسم العرب وتيار الاعتدال والقوى الحية فيه هو الذي يجب وبالضرورة ان يحل محل الفرقة والحرب والنزاع الذي جلب الكوارث..

وحتى تصل الرسالة وكي تفهم مضامينها فان جلالة الملك كان واضحا في التحذير من مخاطر استمرار الحال على ما هي عليه من جمود وركود ومراوحة.. سنظل جميعا معرضين للخطر حتى ننجز السلام والتسوية النهائية الشاملة لجميع القضايا.. نحن جميعا معرضون لخطر ان نصبح ضحايا لمزيد من العنف الناجم عن ايديولوجيات الارهاب والكراهية..

الخيارات كما يراها جلالة الملك واضحة لكنها للاسف محدودة ولا تسمح بترف الهوامش الواسعة من المناورة. نحن امام خيارين لا ثالث لهما.. اذا ما اردنا ان نحول دون تعرض منطقتنا وبلادكم والعالم لهذه المخاطر.. فاما عالم منفتح ملؤه الأمل والتقدم والعدالة للجميع او عالم منغلق شعوبه منقسمة، قوامه الخوف والاحلام التي لم تتحقق.

أي شيء يؤثر في هذا الخيار اكثر؟ بالتأكيد هو مستقبل السلام في الشرق الاوسط. اذاً جلالة الملك وضع الولايات المتحدة بكل ما تمثله على الساحة الدولية وما تلعبه من دور ونفوذ وقدرة وقوة في منطقتنا، أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية والاخلاقية وعليها استغلال اللحظة النادرة المتاحة بل هي تاريخية بحق تلوح فيها فرصة وجود ارادة دولية جديدة لوضع حد لهذه الكارثة والتي يشكل استمرارها خطراً على المنطقة والعالم وخصوصا في ظل تناقص ثقة الناس في عملية السلام بما يعنيه من دوران أسرع لحلقة الازمات المفتوحة احتمالاتها على دمار اكبر بكثير مما نراه الآن..

ولعل المقارنة اللافتة التي عقدها جلالة الملك بين أقوال البعض بأن هناك تحديات ملحة اكثر من القضية الفلسطينية وانها ليست القضية المحورية في الشرق الاوسط والذين لا يشاركونهم رأيهم هذا قد وضعت الأمور في نصابها الصحيح وازالت الغشاوة عن بعض الذين خضعوا للتضليل في هذا الشأن ان هذه القضية - قال الملك - لا تقف عند حد احداث نتائج بالغة القسوة لمنطقتنا، بل تتعدى ذلك الى احداث نتائج بالغة القسوة لعالمنا..

ليس هذا فحسب بل ان أمن جميع البلدان واستقرار اقتصادنا العالمي يتأثران بصورة مباشرة ليس فقط بالنزاع في الشرق الاوسط بل وعبر المحيطات حيث تسبب هذا النزاع في ابعاد المجتمعات عن بعضها في الوقت الذي يفترض ان تكون صديقة.

وجاء السؤال الكبير والمباشر والصريح الذي طرحه جلالته أمام الكونغرس وهو سؤال يطرحه مسلمون كثيرون يبعدون عن المنطقة آلاف الاميال ويحملون في قلوبهم تأثرا عميقا بمعاناة الشعب الفلسطيني..

كيف ظل الشعب الفلسطيني حتى الآن دون حقوق ودون دولة؟ وهل يعني الغرب فعلا ما يقوله عن المساواة والاحترام والعدالة الشاملة؟ الحال ان جلالة الملك هو الذي تحدث باسم العرب، وباسم غالبية الدول الاسلامية التي التقى وزراء خارجيتها في اسلام آباد قبل اسبوعين، قد وضع اضواء كاشفة وحمراء في الآن ذاته على ما تعيشه المنطقة من اضطراب وعنف وسفك للدماء جراء عدم حل القضية الفلسطينية ولم يعد امام عواصم القرار الدولي وفي مقدمتها واشنطن سوى التقدم والقيام بدور تاريخي لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي فالسلام يحتاج الى مجازفة والحل لا يفرضه جانب واحد والسلام الدائم يبنى فقط على التفاهم والاتفاق والتسويات.. ما يعني ان نكرر جميعا لا لمزيد من سفك الدماء.. لا لمزيد من الموت بدون سبب!.