الأخطاء الأميركية القاتلة في العراق، وما أسفرت وتسفر عنه من قتل للعراقيين ـ 750 ألفاً حسب الأرقام الغربيةـ ومن تدمير شامل لبنية الدولة العراقية، لم تقنع بعد، على ما يبدو، الإدارة الأميركية بجسامة الكارثة التي وضعت العراق فيها، وإلا لاعترف الرئيس بوش بخطأ الحرب على العراق، ولتوقف عن تحميل الآخرين المسؤولية عن هذه الأخطاء.

الرئيس بوش يقول، وقبل ثلاثة أيام من عقد المؤتمر الدولي حول العراق: «إن المؤتمر سيكون اختباراً لمدى جدية سورية وإيران في المساعدة على خفض العنف في العراق». ‏

مثل هذا الكلام لا يوحي بأن الإدارة الأميركية بصدد العمل الجدي لإخراج العراق من محنته، عبر البدء بعملية سياسية شاملة تعيد للعراق سيادته الكاملة، وتنتهي بالانسحاب الأميركي منه دون شروط. ‏

سورية وإيران ليستا مسؤولتين عما يجري في العراق من قتل وتدمير، وقد تحملتا الكثير من أعباء الاحتلال الأميركي له، وهذا معروف للجميع، والإدارة الأميركية أكثر من يعرفه. ‏

وعليه يكون حديث الرئيس بوش عن المؤتمر الدولي حول العراق بهذا الشكل وبهذه النيّات نوعاً من الإجهاض للمؤتمر قبل عقده، وإلاّ فلماذا هذه المحاولات لوضع سورية وإيران أمام امتحان أميركي قد لا يكون ـ وهذا الأرجح ـ في مصلحة العراق والعراقيين؟ وكيف يمكن للبلدين أن يساهما في وقف العنف في العراق دون تعاون أميركي جدي يأخذ في الحسبان أخطاء الحرب، وأسس إزالة آثارها، ومتطلبات فتح الأبواب الموصدة أمام العملية السياسية والمصالحة الوطنية الشاملة في العراق؟ ‏

وفي كل الأحوال فالمطلوب اجراءات أميركية عملية في الشأن العراقي يتبعها حوار معمّق حول مجمل قضايا ومشكلات المنطقة تكون فيه إدارة بوش منفتحة ومتفهمة لمتطلبات حل هذه القضايا والمشكلات بالاستناد إلى القوانين والشرائع الدولية، وانطلاقاً من الترابط الواضح القائم بينها. ‏

وقد أكدت سورية باستمرار أن الحوار مع الولايات المتحدة لا يعني شيئاً إن لم يشمل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والأوضاع في العراق، ومكافحة الإرهاب من جذوره، وإخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. ‏

المشكلة أن إدارة بوش لا تريد الاقتناع بوجود الطرف الآخر، وبأهمية دور هذا الطرف، وتتصرف وكأن المنطقة هي اسرائيل وحدها، وإذا ما استمرت الإدارة الأميركية على مواقفها هذه فيمكن القول من الآن: إن المؤتمر الدولي حول العراق تم تحميله أكثر مما يحتمل!. ‏