تشير الاقتحامات الاسرائيلية للمدن الفلسطينية خصوصا نابلس ورام الله وجنين، وآخرها ذلك الاعتداء الذي وقع امس الاول على مقرات اجهزة الامن الفلسطينية في رام الله واعتقل خلاله العشرات من رجال الامن الفلسطينيين بصورة عشوائية لا معنى لها، تشير هذه العمليات التي تتم بعد تغيير قيادات الجيش الاسرائيلي اما الى رغبة هذه القيادات الجديدة في اعطاء انطباع عن مصداقيتها للرأي العام الاسرائيلي من خلال تكثيف الاعتداءات على الاراضي الفلسطينية ومؤسسات السلطة الفلسطينية على وجه التحديد، او ان الحكومة الاسرائيلية تريد من وراء هذه السياسة توجيه رسالة الى رئاسة السلطة الفلسطينية بشأن التطورات الاخيرة على الساحة الفلسطينية لا سيما فيما يتعلق بموقف اسرائيل السلبي من اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

واذا كان الاحتمال الثاني هو الاصح والاول هو الصحيح ولا تناقض بين الاحتمالين فكل منهما يدعم الآخر، فان الحكومة الاسرائيلية تمارس ضغوطا قوية بمواصلة هذه الاعتداءات على مؤسسة الرئاسة لابعادها عن اتفاق المشاركة وتقاسم السلطة مع حركة حماس. ويشير ذلك الى مزيد من التشدد والتصلب في مواقف اسرائيل الفعلية بينما التصريحات الكلامية الصادرة عن رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود اولمرت يبدو فيها قدر من المرونة النسبية وتكاد تقترب من الموقف الاميركي المنتظر لتشكيل حكومة الوحدة ومعرفة برنامجها السياسي قبل اتخاذ قرار بشأن التعامل مع هذه الحكومة او مواصلة الحصار الاقتصادي المفروض على الاراضي الفلسطينية منذ عام واحد.

ويوحي مضمون الرسالة التي ربما تكمن وراء الاقتحامات المكثفة واعتقال مواطنين من المقربين لحركتي فتح وحماس على السواء ودون تمييز بان المطلوب اسرائيليا من مؤسسة الرئاسة الفلسطينية ان تختار بين اتفاق المشاركة مع حماس من جهة او مواصلة التعامل مع هذه المؤسسة بنفس الاسلوب الودي الذي كان متبعا قبل اتفاق مكة من الجهة الاخرى. وقد كانت هناك بيانات رسمية اسرائيلية اكدت بشكل قاطع ان الحكومة الاسرائيلية ستقاطع وزراء حكومة الوحدة الوطنية العتيدة بغض النظر عما اذا كانوا من المقربين لحماس او فتح او اي جهة اخرى تشارك في هذه الحكومة.

ومن المؤكد ان استخدام العنف والاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات تحمل رسائل سياسية من هذا القبيل هو اسلوب ثبت فشله في الماضي وليس من المتوقع ان ينجح حاليا او في المستقبل. واذا كان الحصار الاقتصادي والسياسي والحملة العسكرية الاسرائيلية واسعة النطاق وطويلة المدى على قطاع غزة قد تسببا في بعض التوتر على الساحة الفلسطينية فان الفصائل كلها قد وعت الدرس وادركت ان اتفاقها ووحدة كلمتها هو السبيل الوحيد للامن والسلام الاجتماعي الداخلي في فلسطين وان الخاسر الوحيد من الاقتتال الداخلي هو الشعب الفلسطيني كله والفصائل المتقاتلة على وجه التحديد.

ان من شأن الضغوط العسكرية والاقتصادية المستمرة على الشعب الفلسطيني ان تصهر فصائله وقواه وقطاعاته المختلفة في بوتقة الوحدة الوطنية الراسخة والمطلوب من اجل حشد هذه القوى والطاقات الفلسطينية في اتجاه التسوية السلمية العادلة ان يتم تشكيل حكومة الوحدة لاثبات فشل التكتيك الاسرائيلي الجديد - القديم وتفويت الفرصة على المراهنين على انبعاث الفتنة الداخلية بعد ان اخمدها الشعب الفلسطيني مرة واحدة والى الابد.