أكثر دولتين تتحاوران وتتباحثان وتتبادلان في الافكار اليوم هما ايران والولايات المتحدة!! وأكثر دولتين لا تستطيعان ان تتحاورا او ان تتبادلا الافكار بصورة مباشرة عبر تاريخ العلاقات الدولية اليوم هما ايران والولايات المتحدة! نعم هذا هو واقع العلاقة التي تربط ايران والولايات المتحدة على الاقل في الفترة الراهنة. ونمط هذه العلاقة ليس احجية ولكن هو نمط فرضته طبيعة الايديولوجيا والدور الذي تتبناه كل من الدولتين.
حيث ان الولايات المتحدة هي قائدة العالم الرأسمالي الحر ودورها هو نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.. الخ. واما ايران فإنها تتبنى ايديولوجية اسلامية شيعية وتعتبر قائدة هذه الايديولوجية، المركز الاساس فيه ودورها هو رفعة الاسلام والمسلمين وحماية الارض والشرف الاسلامي!!. وعليه وفي الطريق إلى تحقيق تلك الاهداف وجدت كل من الدولتين انهما اصبحتا عدوتين بعد عهد من الصداقة والتحالف لم يكن له مثيل في الشرق الاوسط في زمن شاه ايران كان ثمرته ما عد في حينه اكبر صفقة سلاح جرت بين الولايات المتحدة ودولة شرق اوسطية.
وحتى العداوة التي كانت بينهما بعد انهيار حكم الشاه في ايران وازمة الرهائن الأميركان وكل اللغط الذي حصل اثناء وبعد الحرب الايرانية العراقية لم يوصل القطيعة بين الدولتين إلى المستوى الذي هو عليه اليوم، والاخطر ان هذه القطيعة تبدو علاقة عكسية تنجم عن اي تقارب في الوجود والمصلحة بين الدولتين بمعنى كلما تقارب وجود كل من الدولتين في محيط جغرافي واحد كلما زاد العناد والعداء بينهما وكذلك الامر بالنسبة للمصالح والملفات المشتركة حيث ترتبط كلتا الدولتين بأهم ملفين يحكمان العلاقة بينهما هما الملف النووي والعراق ومع ذلك فإن العداء والسجال بين الدولتين يزيد الملفات تعقيدا.
ومع ذلك فاننا لا يمكن ان نقول ان لا حوار ولا دبلوماسية تجري بين الدولتين حتى وان بدا للعيان ان لا وصال بين مضادين حيث يبدو ان هنالك وسيلة جديدة اشتركت في ابتكارها السياستان الايرانية والاميركية الا وهي الدبلوماسية بالنيابة. الدبلوماسية بالنيابة تعني محاولة التواصل والحوار وتبادل الآراء عبر وسيط أو وسطاء.
وهذه الدبلوماسية قد تجري بشكل مخطط تعلنه الدولتان كما تعلنه الدولة الوسيط في هذا الحوار. ولكنه ايضا قد يجري بصورة سرية تماما بمعنى انه لا يتم الاعلان عن هذه المباحثات ولا عن الوسيط الذي يتولى مهمة فتح قناة الحوار. وقد يتم بطريقة ثالثة الا وهي ان تذهب احدى الدولتين إلى الوسيط المكلف بفتح باب الحوار وتتم مناقشة مواضيع ليس لها علاقة بالحوار او التباحث مع الطرف الخصم ولكن في ذات الوقت تحشر الرسائل المتبادلة حشرا مستترا.
وهذه الطريقة اكثر سرية وتكتماً حتى من المباحثات السرية التي يمكن ان تخضع للتسريب. اما هذه الطريقة فهي غاية في السرية والاحتشام وتحفظ ماء الوجه لكلا الخصمين.
فإذا كان المتحاوران بالنيابة هما ايران والولايات المتحدة فإن الوسيط هم العرب. حيث ان زيارات كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية إلى المنطقة المستمرة ولقاءاتها بالعاهل الاردني الملك عبدالله او الرئيس المصري حسني مبارك من جهة وزيارة احمدي نجاد المفاجئة إلى المملكة العربية السعودية كلها تحركات دبلوماسية نشيطة ومستمرة لا يمكن ان يكون دافعها ما يتم الاعلان عنه فحسب خاصة ما يتعلق بالملف العراقي فهل يمكن ان يتم التطرق إلى هذا الملف دون ان يتم طرق باب التشابك الحاصل بين النفوذ الايراني في العراق؟. او التهديد الأميركي بضرب ايران؟.
او ما اعلنه ديك تشيني من احتمال فتح باب الحوار الأميركي مع سوريا وايران؟ بل حتى مؤتمر بغداد الدولي المزمع عقده حيث سيخصص جانبا كبيرا من مناقشاته لبحث قضايا العلاقة مع دول الجوار وتأثير هذه الدول على الملف الامني. خاصة وان الكثير من الساسة العراقيين يسعدهم القيام بدور الوسيط لهذا الطرف او ذاك وان يقوموا بايصال الرسائل المتبادلة كما حدث في نهاية العام الماضي قبل اعلان توصيات لجنة بيكر هاملتون حيث اجرى الرئيس العراقي جلال الطلباني مباحثات مع الحكومة الإيرانية في طهران، وبمحض الصدفة!! جرت في نفس الاثناء مباحثات رئيس الوزراء العراقي مع الرئيس الأميركي جورج بوش في عمان.
عموما الحوار غير منقطع بين ايران والولايات المتحدة مهما كان شكل او نوع الوسيط فإن مهمته هي تفعيل الدبلوماسية بالنيابة التي اضحت كلتا الدولتين في امس الحاجة لها بعد ان وصلت جميع الملفات التي تجمعهما او تهمهما إلى النقطة الحرجة. وبالتالي صارت عملية التواصل المباشر بينهما صعبة وليس من فرار من استخدام وسائل الحوار غير المباشر.
وسواء كان الحوار مباشرا او غير مباشر بالنيابة فإن الدولتين يجب ان تتحملا مسؤولية جدية في حفظ استقرار المنطقة وان يترك كل منهما ذلك الطموح التوسعي الهدام الذي يذكرنا بأجواء أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية حيث نشطت الدبلوماسية السرية بين الاطراف الاساسية الا انها في الواقع لم تكن سوى ترتيبات للحرب. اما بالنسبة لنا نحن العرب فلابد ان نكون اكثر وعيا لتلك الدبلوماسية بدل ان نكتفي بدور آخر من يعلم ولا يسعنا الا اطفاء الحرائق بعد ان تحرق كل شيء، وتعويض الارامل واليتامى بالغناء لهن، وتطمين القتلى بأن دماءهم قد ذهبت سدى دفاعا عن الارض العربية التي لن تعود.
كاتبة عراقية
Rana_alkhalid@yahoo. com