حددت اليونسكو أربع وظائف محورية لوسائل الإعلام تتمثل في الإخبار، التربية، الإعلان والترفيه. فوسائل الإعلام في أي مجتمع كان، هي مؤسسات اجتماعية تشكل الوعي الاجتماعي وتساهم في بلورة الرأي العام ونشر الثقافة والوعي في مختلف المجالات. كما أنها تعمل على نقل التراث من جيل إلى آخر فضلا عن أنها المؤرخ اليومي لما يجري في المجتمع.
كما أنها تساعد في عملية التواصل بين الحاكم والمحكوم ونقل اهتمامات الشارع للسلطة ونقل توجهات وسياسات السلطة للجمهور. كل هذا بطبيعة الحال وفق قيم ومبادئ ومعايير لا تخرج عن القيم المجتمعية وعن الأخلاق والعادات والتقاليد. نتساءل أين هذا الكلام في غالبية الفضائيات العربية التي يتعدى تعدادها الثلاثمئة.
فالمشاهد والمتتبع لهذه الفضائيات يلاحظ ما نوع من الصحافة الصفراء ينتشر بسرعة فائقة في أنماط المشاهدة واستهلاك وسائل الإعلام عند المواطن العربي. وبهذا أصبحت هناك فضائيات صفراء، فضائيات الشعوذة والرقص والغناء والغزل على الهواء والعلاج الطبيعي على المباشر، وبرامج «الشو بيز» و«صراع الديكة».الخ.
وأصبح الشغل الشاغل لهذا النوع من الفضائيات هو الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المشاهدين وخاصة الشباب والمراهقين منهم، من أجل الرسائل القصيرة والاتصالات الهاتفية والمشاركة في المسابقات. كما أصبح هم القناة الفضائية هو بث أكبر حجم ممكن من الإعلانات. والحصيلة في آخر المطاف هي بث رسائل هابطة لا تضيف شيئا للمشاهد ولا تقدم له مادة تفيده في ثقافته العامة وفي فهمه لما يجري من حوله وفي العالم. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هو ماذا أضافت هذه الفضائيات من قيم ومن أخلاق ومن معلومات وتعليم وثقافة وحصانة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
هل يقاس نجاح المؤسسة الإعلامية بالأرباح المادية التي تحققها؟ أم أن هناك معايير أخرى تحدد هذا النجاح. المؤسسة الإعلامية لا تنتج شامبو ولا شكولاته وإنما تنتج فكرا وقيما وذاكرة جماعية لأمة بكاملها. كما أنها تلعب دورا استراتيجيا في التنشئة الاجتماعية والمواطنة والولاء لنظام ولقيم مجتمعية.
فإذا كان تحقيق ملايين الدولارات على حساب هذه الأهداف النبيلة هو المقياس وهو معيار النجاح فهذا يعني أن المؤسسة الإعلامية أصبحت مثل مصنع الإسمنت لا علاقة لها بالفكر وبالقيم وبالحضارة وبالثقافة وبالذاكرة الاجتماعية وبإنسانية الإنسان وآدميته، في هذه الحالة الإنسان هو رقم لا أكثر.
ما يُلاحظ عن هذا النوع من فضائيات الشعوذة والرقص والأغاني الهابطة والرسائل القصيرة وبرامج صراع الديكة و«بنات الهوى» وغير ذلك هو البحث عن الربح مهما كانت الوسائل والطرق وحتى لو كان الربح على حساب القيم والأخلاق والمبادئ. فوقت الإعلانات أصبح يعادل وقت المادة الإعلامية وفي بعض الأحيان يفوقه.
فعلى سبيل المثال نلاحظ أن وقت حلقة مسلسل ما هي نصف ساعة، لكن مشاهدتها تستغرق ساعة بالتمام والكمال. أما عن ما يبث من إعلانات وعن الصور والمشاهد والقيم التي تحملها تلك الإعلانات فحدث ولا حرج. فمعظم الإعلانات التي تبث في الفضائيات العربية هي إعلانات لشركات متعددة الجنسيات تروج لسلع استهلاكية بطرق وتقنيات غربية، كما أنها تحمل قيما نابعة من المجتمعات الأوروبية والأميركية.
حيث إن هذه الإعلانات صُممت وأُنتجت في الغرب لمستهلكين غربيين. وهنا نلاحظ التناقض الكبير، حيث إن هذا النوع من الفضائيات يشارك ويساهم بطريقة منظمة ومنهجية في نشر قيم استهلاكية وعادات وتقاليد تتنافى وتتناقض جملة وتفصيلا مع المجتمع المحلي والوطن العربي.
كما انتشرت بعض البرامج في بعض الفضائيات وهي في حقيقة الأمر صورة طبق الأصل لبرامج في قنوات غربية. مثل هذه البرامج تناست وتجاهلت أنها في مجتمع عربي إسلامي له حرماته ومقدساته وقيمه وعاداته وأخلاقه. فبعض هذه البرامج لم يجد من المشكلات والقضايا المجتمعية سوى الأمور الاستثنائية والتي تخرج عن القاعدة وتتسم بالإثارة والغرابة والهدف من ورائها هو جلب القبول عليها وفضول الشباب والمراهقين.
وكأن الشغل الشاغل للمجتمع ينحصر في تلك المشكلات فقط. فأصبحنا نشاهد على الهواء ومباشرة خدش حياء وشتم وتجني وافتراء وكأن هذه السلوكيات والتصرفات أمور عادية وطبيعية ومسلم بها في المجتمع. فأي إعلام هذا؟ وما هي الإضافات التي يقدمها للمجتمع؟ وأين هو دوره في التنشئة الاجتماعية وغرس القيم والمبادئ وتقديم المعارف والعلوم والثقافة العامة للمشاهد.
والأخطر من هذا أن بعض الفضائيات طرحت بعض المشكلات والقضايا وكأنها هي الهم الوحيد والمشكل الأوحد في المجتمع بأسره وأنها مشكلات العام والخاص التي تعاني منها الشرائح الكبيرة في المجتمع. والبعض من هذه البرامج، مع الأسف الشديد، يركز على بعض القضايا التي يتغنى بها الغرب كحقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الأقليات والتسامح الديني وحرية المرأة ومعاملتها والمساواة بين الجنسين وغيرها.
الإشكال المطروح في هذا المقام هو، أن في الوقت الذي ينتظر فيه المشاهد مادة هادفة وجادة، لمواجهة حملات التشويه والتضليل والتلاعب في حق العرب والمسلمين والدين الإسلامي وتفنيد الأساطير والأكاذيب، نلاحظ أن «الفضائيات الصفراء» ترّوج لقيم دخيلة على المجتمع وتذوب وتنجرف في تيار التبعية والانسلاخ وتنشر أفكارا وسلوكيات تساهم في اغتراب المشاهد العربي وضياعه في فضاء لا علاقة له به.
وفي كل هذا نتساءل أين هي وزارات الإعلام العربية أو المؤسسات التي تشرف على الإعلام في الوطن العربي؟ أين هي مواثيق الشرف؟ وأين هي النقابات الصحافية؟ أين هو المجتمع المدني؟ أين هي جمعيات حماية الطفل وحماية المستهلك؟ الجميع يبكي على الأطلال والأمر على حاله منذ أكثر من عقد من الزمن.
والأخطر أننا من حين لآخر نسمع عن إطلاق فضائية عربية جديدة تضاف إلى قائمة فضائيات الغناء والرقص والرسائل القصيرة والغزل المباشر وعلى الهواء. فإذا أصبحت الفضائيات تعامل وكأنها آلات تبيض ذهبا من خلال توفير مساحات للإعلانات ولثقافة الاستهلاك والتسطيح والتهميش والذوبان في الآخر، فهذا يعني أننا نساهم في تسميم عقول أبنائنا وفلذات أكبادنا ونحن مسرورون ونتفاخر بأننا كسبنا معركة الإعلام الفضائي وأصبحت لدينا المئات من القنوات كغيرنا من الأمم والشعوب.
فإذا خرج الإعلام الفضائي من سلطة الحكومات وطغيان الرقيب فإنه، مع الأسف الشديد، سقط في يد تجار لا علاقة لهم بالإعلام ولا بالثقافة ولا بالعلم ولا بقيم المجتمع ومبادئه وأخلاقه. وبالنسبة لهؤلاء التجار فلا يوجد هناك فرق بين قناة فضائية ومصنع مواد غذائية أو قطع غيار السيارات. فالهدف في نهاية المطاف هو الربح، لا غير، أما الرسالة والمحتوى وماذا تقدمه القناة الفضائية فهذا شيء ثانوي لا يعني الكثير ما دام هناك مراهقون وشباب ومشاهدون يكونون أرقاما تستقطب المعلنين.
وهكذا نلاحظ مؤسسات استراتيجية ومهمة في المجتمع تصول وتجول في الفضاء الإعلامي والثقافي وفي مجال صناعة الفكر والثقافة والرأي العام والذاكرة الجماعية بدون ضمير مهني وبدون أخلاق ولا وازع ديني ولا ولاء وانتماء وطني وثقافي وحضاري. ف«الفضائيات الصفراء» أصبحت لا تختلف كثيرا عن العصابات التي تروج وتسوق وتنشر المخدرات في أوساط الشباب..
وقد قال أحدهم: إذا أخطأ الطبيب فإنه يتسبب في وفاة مريض واحد، أما إذا أخطأ الصحافي فإنه يسمم عقول مئات الآلاف. فمتى نحتكم إلى العقل والضمير والمنطق لنضع حداً لانتشار التلوث الإعلامي والثقافي في الوطن العربي؟
كلية الاتصال
جامعة الشارقة