لماذا صوت أغلبية من أعضاء مجلس الشيوخ من الديمقراطيين من أمثال جو بيدن وهيلاري كلينتون وكريس دود وجون إدواردز وهاري ريد وجاي روكفيلر وتشوك شومر ـ لماذا صوّتوا على قرار تفويض الإدارة الأميركية بشن حرب العراق في 11 أكتوبر 2002؟ ولماذا تعتبر الحرب الآن خطأ بوش وحده وليس خطأهم هم أيضاً؟
لقد لعب الخوف من أسلحة الدمار الشامل العراقية بطبيعة الحال دوراً في دفعهم إلى التصويت لصالح قرار الحرب، ولكنه كان مجرد دور. ففي الطلبات الرسمية الثلاثة والعشرين التي أجازت استخدام القوة لخلع صدام، استشهد أعضاء مجلس الشيوخ في ذلك الوقت بأمور أخرى مثل إيواء ومساعدة العراق للإرهابيين ومحاولات صدام حسين لاغتيال رئيس أميركي سابق،
وما كان يقوم به من تنكيل واستخدام لأسلحة دمار شامل ضد شعبه وانتهاكاته المستمرة لاتفاقيات الأمم المتحدة وحرب الخليج. وإذا كان قد تبين بعد ذلك أن الخوف من أسلحة الدمار الشامل كان مجرد خوف ليس إلا، فإنه تظل هناك أسباب عديدة لا تقبل الشك تبرر الإطاحة بصدام.
لقد لخص السيناتور ريد عن ولاية نيفادا مشاعر الديمقراطيين بأفضل شكل ممكن بقوله، إنه كانت هناك وفرة من الأسباب بررت خلع صدام في ضوء الأجواء التي كانت مسيطرة على العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وذكّر السيناتور زملاءه بأن رفض صدام الالتزام بالاتفاقيات السابقة كان أمراً «يمثل خرقاً للهدنة وبرر استئناف الصراع المسلح ضده».
ولكنّ الأمر لم يكن يقتصر على الخوف من صدام فحسب. فقط كانت هناك فكرة أكثر عمومية وليبرالية دفعت الديمقراطيين إلى الموافقة على استخدام القوة لوقف الحكام الديكتاتوريين. ففي الوقت الذي يملك فيه الديمقراطيون جناحاً قوياً يميل إلى التهدئة على طول الخط، إلا أن القاعدة الأساسية للحزب دائماً ما تدعو إلى تعزيز القيم الليبرالية الأميركية في العالم وأحياناً يكون هذا التعزيز عن طريق استخدام الحرب الوقائية.
عدد كبير من الديمقراطيين في الكونغرس على سبيل المثال لا الحصر قد فوّض سابقاً الرئيس بوش الأب بخوض حرب الخليج الأولى من أجل دحر الغزو المجنون الذي قام به صدام ضد الكويت. في 1999 حاول الديمقراطيون في مجلس النواب، ولكنهم فشلوا، تمرير قرار بتفويض الرئيس كلينتون بشن حرب جوية ضد سلوبودان ميلوسوفيتش.
ولطالما أبدى قادة ديمقراطيين بداية من كلينتون ونهاية بباراك أوباما استياءهم من أن الولايات المتحدة لم تتدخل بشكل استباقي في إفريقيا من أجل وقف المجازر الجماعية في رواندا. وفي المقابل، خاض المرشح للرئاسة وقتها جورج بوش، وليس آل جور، الانتخابات في 2000 على أساس حملة تدعو إلى وقف التدخلات الإنسانية التي كان يقوم بها بيل كلينتون سواء في البلقان أو في هايتي أو في الصومال. فلقد قال بوش في حملته الانتخابية وقتها: «لا أعتقد أن قواتنا ينبغي لها أن تُستخدم فيما يوصف بأنه جهود إعمار دولة».
وعبر التاريخ الأميركي، كان الحزب الديمقراطي هو الذي عادة ما يثبت أنه أكثر ميلاً للتدخل في شؤون الآخرين من الحزب الجمهوري. فقد اختلف الرؤساء الديمقراطيون ابتداءً بودرو ويلسون في 1971 وفرانكلين روزفيلت في 1939 ـ 1940 ومروراً بهاري ترومان في 1950 وجون كنيدي في 1963 ونهاية ببيل كلينتون في 1999 ـ اختلفوا بشدة جميعاً مع دعاة العزلة من الجمهوريين، الذين كانوا يصرون على أنه ليس في مصلحة أميركا أن تخوض حروباً في الخارج، إلا إذا تعرضت لهجوم مباشر من قبل دولة أجنبية.
مرة أخرى لماذا صوّت أغلبية من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ لصالح قرار الحرب في أكتوبر 2002؟ السبب الأول هو أنهم بشكل صائب اتفقوا مع تحول الرئيس الأميركي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى فكرة أن التخلص من نظام صدام حسين الدموي وإنشاء حكومة تتمتع بدعم جميع الأطراف، هو خطوة يمكن أن تمثل عاملاً أساسياً في كسب الحرب ضد التشدد الإسلامي. السبب الثاني هو أن حزبهم كان دائماً يعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها في بعض الأحيان أن تصلح من الأوضاع في الخارج عن طريق الإطاحة بالحكام الديكتاتوريين.
وبالمنطق نفسه يبرز السؤال التالي: لماذا يعد الآن عدد كبير من الذين هم أنفسهم أيدوا حرب العراق في بدايتها ـ بعد أربع سنوات ـ بإما سحب القوات أو بقطع الإمدادات المالية ومن ثم يتخلون عن مواقفهم السابقة؟ المصالح الانتخابية هي التي تفسر هذا الموقف الموجه ضد رئيس الأقلية البرلمانية.
ولكن في المجمل فإن الغضب الديمقراطي يأتي بمثابة انعكاس للغضب الشعبي على تكلفة الحرب وعلى الشعور بأننا لا نكسبها، فخلافاً لما حدث عند غزو بنما في 1989، وحرب الخليج في 1991 وحرب البلقان في 1999 أو حتى حرب أفغانستان في 2001-2007، فإن حرب العراق تسببت في مقتل ثلاثة آلاف أميركي. فلو كانت جهود إعمار العراق سارت بشكل سلس كما سارت عملية خلع صدام التي لم تستغرق ثلاثة أسابيع، لكان معظم الديمقراطيين الآن يتغنون بدعمهم وتأييدهم إلى التغيير الديمقراطي في العراق.
ومن ثم فإنه بدلاً من ذلك الهجوم على الإدارة الحالية والذي لا يخدم سوى مصالح ذاتية، فإنه من الأحرى بأعضاء مجلس الشيوخ من الديمقراطيين ومرشحيهم أن يعترفوا ببساطة أنه بينما لا يزال هناك ما يبرر الغزو والاحتلال، فإن التكلفة التي لم يتوقعها أحد لتأمين العراق وتحقيق الاستقرار به من وجهة نظرهم، قد أثبتت أنها باهظة بشكل كبير والآن تفوق في فداحتها الأخطار المترتبة على الانسحاب من العراق.
غير أنه يتعين عليهم أن يتذكروا أمراً آخر أخير: إذا حدث وأن دعت إدارة ديمقراطية في المستقبل إلى استخدام قوة أميركا العسكرية لإسقاط حاكم على شاكلة ميلوسوفيتش أو منع مجزرة جماعية على نمط ما يحدث في دارفور- والتاريخ يوحي الآن أن مثل هذا الأمر وارد جداً- فإن الشعارات المميزة التي يطلقها الديمقراطيون الآن ضد الحرب سوف تعود لتطاردهم، وستثبت أن مثل تلك الدعوات إلى التدخل الإنساني في شؤون الغير من المحتمل ألا تجد إلا أذاناً صُماً تشبه آذانهم التي لا تصغي إلا إلى المصالح الحزبية.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص ل: «البيان»