أذكر في فترة الطفولة تلميحات الرجال من جانب وهمسات النساء من جانب آخر حينما كانوا يتحدثون عن امرأة مطلقة. كان الطلاق نادراً ما يحدث، وكانت المطلقة بالنسبة للمحيط الاجتماعي مثار حديث وخوف وتوجس وغيبة ونميمة. لم يكن أحد يتحدث عن الرجل بوصفه مُطلّقا؛ فالرجال سرعان ما يتزوجون، بغض النظر عن أعمارهم، وعن وظيفتهم، وعن حالتهم الصحية، حتى لو ظلوا بدون زواج فلا غبار عليهم، ولن يصيبهم شيء يخص سمعتهم أو شرفهم مثلما هو الحال مع ما تواجهه المرأة في العالم العربي بشكلٍ عام والمرأة المطلقة بشكلٍ خاص.

ففي المجتمعات العربية الراكدة تحت وطأة الهيمنة الذكورية في كافة مظاهر حياتنا اليومية، تدفع المرأة المُطلقة ثمناً باهظاً لإحباطات الرجل ونزواته وإنفلاتاته واضطراباته وتحولاته المزاجية والشعورية، إضافة إلى وطأة الجماعة الاجتماعية الضاغطة عليها.

ولم تكن نسب الطلاق في الماضي القريب مثلما هي عليه الحال الآن في عموم عالمنا العربي، بل يمكن القول إن الطلاق كان موجوداً فقط بين فئات اجتماعية معينة، في الغالب الفئات الأكثر ثراءً والأكثر تحرراً وتحملاً لتبعات الطلاق ومشاقه المادية والاجتماعية والنفسية الجسيمة.

أما معظم الفئات والطبقات الاجتماعية الأخرى مثل الطبقات الوسطى والدنيا، ناهيك عن سكان المناطق الريفية والنائية، فلم يكن الطلاق من مفردات حياتهم وممارساتهم اليومية. فالأسرة والارتباط بها، وتحمل المشاق من أجل تربية الأطفال ورعايتهم، حتى ينهوا تعليمهم، ويشتغلوا، وربما يتزوجون، كانت من أجّل وأهم المهام التي يضعها الزوجان على كاهلهم، ويتعاملون معها بمنتهى الجدية والتفاني والإخلاص.

أما الآن، وبعد التحولات الهائلة التي شهدتها المجتمعات العربية، وبشكلٍ خاص منذ السبعينات، فقد شهدت المجتمعات العربية تصاعداً هائلاً في نسب الطلاق والتفكك الأسري، وتشتتاً للنشء وتعرضهم للكثير من صنوف الحرمان العاطفي من جانب الأبوين، لم تشهده من قبل. فقد وصلت نسبة الطلاق في السعودية إلى 24%، كما وصلت في الكويت إلى 35%، والمغرب 23%، وفي موريتانيا 42%، وقطر 38%، وفي الإمارات 36%، والبحرين 34%، كما وصلت إلى معدلات مخيفة في مصر والأردن.

وبشكلٍ عام فقد زادت نسب الطلاق في كل الدول العربية، بحيث يمكن القول بأن المتوسط العام للطلاق يكشف عن أنه من بين كل ثلاث نساء يتزوجن، وفي بعض الحالات من بين كل اثنتين، سوف تجد حالة واحدة منهن نفسها مطلقة بعد فترة وجيزة من الزواج. وهي نسبة مخيفة وبالغة الخطورة إذا ما وضعنا في اعتبارنا الارتفاع غير المسبوق في نسب العنوسة في العالم العربي. ويعني ذلك، أن العالم العربي سوف يواجه مشكلات عديدة تتعلق بهذه الأعداد الهائلة من النساء غير المتزوجات، سواء المطلقات أو العوانس، مع ما يرتبط بذلك من مخاطر اجتماعية وأخلاقية جمة.

ومما يزيد الوضع خطورة أن الطلاق ذاته لم يعد يرتبط بمرحلة عمرية معينة، ولا بشريحة اجتماعية معينة، ولا بالحالة الاقتصادية، ولا بالمستوى التعليمي، فقد انتشر وعم وشمل كل الفئات والمستويات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية المختلفة، إلى الحد الذي أصبح يمثل ظاهرة عامة تمس كل الأوساط والشرائح الاجتماعية المختلفة، ولا يثير حفيظة أحد، كما لا يثير اندهاشه مثلما كان الحال عليه في الماضي القريب.

ومن اللافت للنظر هنا، هو تزايد أعداد المطلقات تحت العشرين من العمر، واللاتي لم يمر على زواجهن غير أشهر قليلة معدودة، وفي بعض الأحيان مجرد أسابيع قليلة، وهو ما يجعل الزواج مجرد نزهة قصيرة، لا تستحق عند الكثيرين عناء الحفاظ عليه، وعدم التفريط فيه. فالزواج أصبح مجرد خطوة قصيرة محدودة التأثير من أجل إتمام خطوة أخرى أكثر تأثيراً وهولاً وهى خطوة الطلاق، وكأن شعار اليوم يتمثل في: الزواج من أجل الطلاق.

ورغم ما أشرنا إليه سابقاً من الهيمنة الذكورية المجتمعية، فإن مناقشة أسباب ازدياد نسب الطلاق في المجتمعات العربية لا يمكن إرجاعها إلى الرجل وحده، بقدر ما يمكن إرجاعها إلى أسباب مجتمعية عديدة تشمل الرجل والمرأة والأسرة والأقارب وباقي المؤسسات المجتمعية الأخرى، إضافة إلى الأدوار التي يجب أن تضطلع بها مؤسسات المجتمع المدني المختلفة.

من هنا يمكن القول بوجود أسباب عديدة وراء حدوث الطلاق في العالم العربي، يأتي في صدارتها ظاهرة الزواج السريع، الذي يتم بين العائلات، ولا يتيح قدراً ما من التعارف بين الشريكين، الأمر الذي ينتهي بالفشل الذريع، بعدما يكتشف الطرفان صعوبة التوافق والاختلاف الهائل في الطباع فيما بينهما. وهو الأمر الذي يرتبط بعدم الوعي من جانب طرفي العلاقة بخطورة الزواج وأهميته والمستلزمات المرتبطة به. فالكثيرون يقبلون على الزواج، رجالاً ونساءً، بحكم الأعراف الاجتماعية التي تملي عليهم الزواج عند بلوغ سن معينة، بدون فهم حقيقة الزواج، والمخاطر المرتبطة به، وعلى رأسها الطلاق.

كما أن التفاوت الكبير في العمر يلعب دوراً كبيراً في الانتهاء إلى الطلاق. فالكثير من الفتيات أُجبرن على الزواج من رجال يفوقهن عمراً بشكلٍ مبالغ فيه، إما بسبب العادات والتقاليد البالية التي لا تقبل أية مناقشة من الفتاة فيما يختص بزواجها، وإما بسبب الضغوط الاقتصادية التي تجعل الأسرة والفتاة يقبلان بهذه النوعية من الزواج تخلصاً من الكثير من المشكلات المادية، خصوصاً إذا كان الرجل المتقدم ثرياً. ويلعب تفاوت المستوى التعليمي والثقافي دوراً كبيراً في تأجيج الخلافات الناجمة عن استعلاء طرف على طرف آخر، وعدم التوافق فيما بينهما.

ورغم ذلك، فإن هناك نسبا مرتفعة من الطلاق حدثت بين أزواج وزوجات متقاربي الأعمار والمستويات التعليمية والثقافية والاجتماعية، بل إنه يمكن القول الآن ان نسب الطلاق تتزايد يوماً بعد يوم بين هذه النوعية من الأزواج والزوجات، وهو الأمر الذي يفاقم من مخاطر الطلاق وتفشيه في المجتمعات العربية المعاصرة.

وهناك العديد من الأسباب وراء تصاعد نسب الطلاق بين الفئات المتعلمة والمتقاربة المستوى الاقتصادي والاجتماعي والعمري إلى العديد من الأسباب يمكن إجمالها فيما يلي: عدم التريث في الزواج، والتسرع في الإقبال عليه، فالكثير من شباب وشابات هذه الأيام، يقبلون على الزواج بمجرد انتهائهم من تعليمهم الجامعي، بدون أن يدركوا حقيقة ما هم مقبلون عليه، وبدون أن يمنحوا أنفسهم فسحة من الزمن من أجل فهم الطرف الآخر، والتعرف على طباعه ومزاجه وخصائصه.

وما يحدث في الواقع أنهم يقبلون على الزواج، ويتمونه، ويتركون عملية فهم الطباع والخصائص للمستقبل؛ بمعنى أنهم يتركون ويهملون ما يجب فعله في الحاضر المعاش لظروف وأقدار وتراتيب المستقبل. وما يحدث أنهم يكتشفون بعد أيام أو أسابيع أو أشهر قليلة من الزواج بعد الشُقة فيما بينهما، الأمر الذي يؤدي لزيادة الجفاء والعداء، ويؤدي لا محالة إلى الطلاق.

وإذا كان الأزواج والزوجات لا يتريثون في إتمام الزواج وعقد القرآن، فإنهم لا يتريثون أيضاً في مواجهة مشكلات الفترات الأولى من الزواج. وهنا يقع على عاتق الأسرة العربية والمؤسسات المجتمعية المختلفة مهام جسيمة من حيث تنوير الشباب والشابات الجدد بحقيقة الزواج، ومعني تقديم التنازلات بين طرفي العلاقة، وخصوصاً في الفترة الأولى من الزواج.

إن عدم التريث في إتمام عقد القرآن، والزواج المتسرع، يلغيان فترة التعارف بين الزوجين، وما كان يجب أن يحدث في فترة ما قبل الزواج، يجدان أنفسهما في مواجهته بعد الزواج. إن فترة ما بعد الزواج من أخطر الفترات التي يواجهها طرفا العلاقة من حيث قدرة كلا منهما على فهم الآخر من ناحية، وعلى تقديم بعض التنازلات للطرف الآخر من ناحية أخرى. وهذا الفهم والتنازل لا يجب أن يعني في مخيلة أيا منهما الانتقاص من الطرف الآخر، أو انتهاك حريته والهيمنة عليه. فالزوج يجب أن يقدر مشاعر زوجته، كما يجب على الزوجة أن تقدر مشاعر زوجها.

يقدم الإعلام العربي المعاصر صورة غير حقيقة للمرأة بوصفها رشيقة وجميلة وفاتنة وجذابة دائما، وهو الأمر الذي يتعارض مع واقع المرأة العربية التي تواجه العديد من المشكلات الاقتصادية والتحولات الجسمية بسبب الحمل والرضاعة وغيرها من الأسباب البيولوجية التي تعتريها، والتي يجب أن يتفهمها الزوج. هذه الصورة الكاذبة والمخادعة، تضر بالشباب المقبل على الزواج، الذي ما أن تمر بضعة شهور من الزواج حتى يجد زوجته في حال غير الحال، وفي تحول غير ما كانت عليه، مما يضفي عليه وعلى توجهاته قدراً كبيراً من الملل والجفاء وتردي العلاقة نحو زوجته، وهو ما يفضي لا محالة إلى تصاعد الخلافات والرغبة في الطلاق.

إن العالم العربي المعاصر مُواجه بطوفان هائل من حالات الطلاق التي أصبحت مثلها مثل أية ممارسة مجتمعية أخرى. فلم يعد الطلاق أبغض الحلال، بقدر ما أصبح لدى الكثيرين أيسر الحلال. واللافت للنظر أن الكثيرين الذين يقبلون على الزواج بدون فهم المخاطر المرتبطة به يقبلون أيضاً على الطلاق بدون فهم النتائج والعواقب الناجمة عنه، وبدون أن يدرون معنى أن ينفصل شخصان قامت بينهما علاقة حميمة لفترة من الزمان، وبدون أن يدركوا التحديات الهائلة التي يواجهها الأبناء وهم موزعون ومشتتون بين الأم من ناحية وبين الأب من ناحية أخرى، وبدون أن يعوا المخاطر الهائلة المرتبطة ببنية المجتمع ككل.

ورغم الثمن الهائل الذي تدفعه المرأة المطلقة، بشكلٍ خاص، في مجتمعاتنا العربية الذكورية والتقليدية، فإن المخيف في مسألة الطلاق أن المرأة حينما تدفع ثمناً باهظاً، فإن علينا جميعاً أن نعي أن المجتمع برمته سوف يدفع أثماناً أشد هولاً مما تدفعه المرأة المطلقة، اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا، وهنا تكمن مخاطر اتساع نسب الطلاق والعنوسة على السواء.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com