بالأمس كان العنوان «مكافحة المد الشيوعي». وعنوان اليوم هو «مكافحة الإرهاب الإسلامي». أما الأجندة الجوهرية الحقيقية فإنها ثابتة: بسط النفوذ السياسي الأميركي في دولة عالمثالثية بوسائل استخباراتية وعسكرية كتمهيد لدخول الشركات الأميركية لنهب ثروات الدولة بمساعدة نظام حكم أوتقراطي محلي موالٍ لواشنطن.
هذا ما نستخلصه من مذكرات لاري دلفين الضابط المتقاعد في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي نشرها الآن في كتاب تحت عنوان «مكافحة الحرب الباردة في منطقة ساخنة». والمنطقة الساخنة هي دولة الكونغو حديثة الاستقلال في مطلع ستينات القرن المنصرم، حيث كان دلفين مدير محطة الاستخبارات المركزية.
الكونغو كانت ولا تزال أغنى الدول الإفريقية قاطبة من حيث الثروات المعدنية خاصة اليورانيوم والذهب والنحاس والألماس والكوبالت. وقد رأينا كيف تواطأ دلفين مع قائد الجيش الكونغولي جوزيف موبوتو في تدبير وتنفيذ اغتيال رئيس الوزراء المنتخب باتريس لوممبا بعد أن أدركت إدارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور أنه لم يكن وارداً لدى لومومبا أن يجعل من نفسه عميلاً للولايات المتحدة، وثانياً لأنه كان على رأس أولوياته فرض سيطرة حكومية كاملة على مناجم المعادن النفيسة.
ويواصل دلفين روايته فيخبرنا أنه بعد أن جرت تصفية لومومبا ونسف قاعدته الشعبية على أيدي الجيش عمدت السي أي إيه إلى تنفيذ الجزء الثاني من خططها فساعدت قائد الجيش موبوتو على تنفيذ عملية انقلابية قفزت به إلى منصب رئيس الجمهورية.
وهكذا ولمدى 32 عاماً كان نظام موبوتو الحارس الأعظم والراعي لمصالح الشركات الأميركية وهي منهمكة في نهب الثروات المعدنية إلى أن غادر موبوتو السلطة.
ولم ينس لاري دلفين نفسه كما يروي. فبعد 14 عاماً من العمل في وكالة الاستخبارات ترك الوكالة والتحق بشركة أميركية لتعدين الألماس كمستشار!
ذلك كان في عصر الحرب الباردة حين كان الاتحاد السوفييتي على قيد الحياة الدولية حتى مطلع عقد التسعينات وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي سقط تلقائياً عنوان «مكافحة المد الشيوعي»®. فابتكرت الطبقة الحاكمة الأميركية عنوان «مكافحة الإرهاب الإسلامي».
تغير الشكل دون أن يتغير الهدف. ومن سمات الاختلاف الشكلي أنه بينما بقي العمل السري الاستخباراتي وسيلة معتمدة فإن الحرب على الإرهاب تتخذ شكلاً أكثر علنية خاصة منذ أحداث سبتمبر 2001.
وثمة تغيير آخر أكثر أهمية: فخلال عصر الحرب الباردة كانت الأولوية للمصالح الأميركية العليا حول العالم. أما الآن فمع اكتمال السيطرة اليهودية على مؤسسات السلطة الأميركية بكل فروعها بما في ذلك البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون وأجهزة الاستخبارات فإن الأولوية القصوى للحرب على «الإرهاب» هي أمن إسرائيل.
فنحن الآن في عصر «المحافظين الجدد» العصابة التي تمثل رأس حربة الحركة الصهيونية الأميركية والتي بإنفرادها بعملية صنع القرار على المستوى الأعلى تجعل من الرئيس الأميركي مجرد ناطق إعلامي. وبعد فإن الليلة تشبه البارحة رغم الاختلاف في بعض ملامح الصورة.