صار من المؤكد أن يكتمل ـ غداً في بغداد ـ نصاب المؤتمر الإقليمي بحضور دولي، للتباحث في محنة العراق. الكل أعرب عن استعداده للمشاركة والمساهمة في تثمير الاجتماع، وهذا وحده تطور ملفت. فلأول مرة تلتقي هذه الأطراف المجاورة والبعيدة والتي يجمع بينها امتلاكها مفاتيح وأوراقاً في الوضع العراقي، ولو أنها متفاوتة. لكنها مؤثرة ونافذة؛ وبالتالي قادرة على إحداث فجوة في الجدار.

ويزيد اللقاء أهميةً أنه يجمع الأضداد؛ سواء بالنسبة للعراق أو بالنسبة للقضايا الأخرى المشتعلة في المنطقة، وبذلك يوفر فرصة سانحة لتأسيس محطة انطلاق نحو حوارات تفيض عن الملف العراقي، ولكنها مرتبطة أو متداخلة معه.

طبعاً؛ يبقى الوضع العراقي حجر الرحى في اللحظة الراهنة. فهو إلى حد بعيد بوابة العبور إلى خفض درجة حرارة الأزمة العامة في المنطقة، كما هو المدخل لفض اشتباكاتها، الدائرة منها والمحتملة.

من هنا محورية هذا الملف وأهمية تفكيك إشكالاته وتعقيداته، وإذا كان دور ووزن وتأثير المشاركين أمراً أساسياً في هذا التفكيك؛ بل شرطاً ضرورياً له؛ فإن توافق القوى العراقية وعزمها على الإنقاذ هو شرط جوهري لا غنى عنه، فهو البداية والنهاية، ومن دونه لا يقوى الجوار الإقليمي ولا الحضور الدولي، على بناء عراق لا يريده العراقيون. هذا إذا كانت النية موجودة، فكيف إذا كان لهذه الجهات حساباتها ومصالحها ومعادلاتها، التي قد لا تتفق مع المصلحة العراقية العليا.

ومما لا شك فيه أن التدهور الأمني المريع يشكل في الوقت الراهن همّ الهموم لدى العراقيين؛ وكان التعاون الجواري ـ الدولي ذا أهمية بالغة في مواجهة هذا التحدي؛ غير أن التعويل على هذا الأخير لتلزيمه الملف الأمني ووضعه على عاتقه وحده ينطوي على مجازفة كبيرة ذات عواقب وخيمة. حينذاك يتحول التعويل إلى ورقة يجري توظيفها في الصراع المتعدد الأطراف والملفات؛ والدائر في المنطقة.

إن اجتناب الوقوع في هذا الفخ يقتضي تحويل المؤتمر إلى مناسبة يجري فيها توظيف مساهمات المؤتمرين باتجاه التأسيس لمسيرة تصالح وطني ينهض على الثوابت التي تكفل قيام العراق واستعادته وحدته وسيادته وإحياء دولته.

المؤتمرات إقليمية كانت أو دولية، في ظروف كالتي يعيشها هذا البلد المنكوب بالاحتلال وبالنزف الداخلي القاتل، مفيدة ومطلوبة، فهي توفر الزخم والدعم اللازمين للنهوض من الهوة العميقة التي سقط فيها العراق. لكن النهوض لا يحصل من دون ناهضين.

والخشية أن العمل لتوفير هذا الشرط يبدو أنه يحتل الآن المقعد الخلفي؛ في ظل إعطاء الأولوية للحل الأمني؛ علّه يكون المدخل إلى استتباب الأوضاع. ولكن حتى لو كانت هذه الأولوية في محلها، في الوقت الراهن؛ فإنه لا بديل عن التفاهم العراقي؛ في الحدود الدنيا على الأقل، حول صيغة وطنية مقبولة ومتماسكة من الداخل.

تصليب الداخل العراقي هو البداية لخروج البلد من عنق الزجاجة. ووفق التقديرات كافة، الخلاص بات في سباق مع الزمن. كما بات الآن أكثر من أي وقت مضى، في أيدي من يخصهم، بالرغم من ثقل الحضور الخارجي الاحتلالي والأمني، الذي يتغذى على انقسامات العراقيين.