تواجد أمس الأول في مقر المجلس الوطني الاتحادي بأبوظبي ستة عشر طالباً من مدرسة البيرق للتعليم الأساسي في مدينة العين، وذلك لحضور جزء من فعاليات الجلسة الثانية للمجلس الوطني الاتحادي في الفصل التشريعي الرابع عشر. حضور الطلاب كان ملفتاً، ليس بسبب حداثة أعمارهم التي لا تتجاوز الأربعة عشر عاما، بل لما لمسناه فيهم من مستوى وعي عال، وحسن استماع وحماس شديد لتحمل المسؤولية قبل الأوان.
فعندما طرح عليهم تساؤل عن رغبتهم في أن يكونوا أعضاء في هذا المجلس في السنوات المقبلة، كانت إجاباتهم نعم، وعندما طرح على كل منهم سؤال حول القضية التي تأتي على رأس أولوياته، فوجئنا بأن هؤلاء الصغار كبار بعقولهم وهمومهم. أحدهم تحدث عن البطالة والآخر عن التركيبة السكانية والثالث عن الأمية، في حين أبدى آخرون اهتمامهم بقضايا أكثر عمقاً لا نتصور ان عقولهم مشغولة بها، كقضية أبناء المواطنات والخوف من المستقبل الذي ربما يحمل ما يجهلونه.
نعم فقد كانت إجابة احدهم: سأترك قضيتي إلى ان يحين الوقت المناسب، فقد تستجد قضايا لم نحسب لها حساباً! زيارة هؤلاء الطلاب إلى المجلس تأتي في إطار تطبيق ميداني لما يدرسونه في منهاج التربية الوطنية. إذ ان مفردات المنهج تركز على تشكيل المجلس الوطني الاتحادي والمفاهيم والمصطلحات السياسية، فاجتهد معلم المادة محمد الغيث ليرسخ ما يتعلمه الطلاب نظريا من خلال ربطه بتجارب واقعية يعيشونها في مجتمعهم.
إذ لم يكتف المعلم بإحضار الطلاب إلى مقر المجلس الوطني، بل اختار طالبين ليقوما بدور المرشحين في انتخابات المجلس الوطني. وسيقوم الطالبان بعد ثلاثة أسابيع بعقد حلقة لمناقشة برامجهما الانتخابية أمام أساتذتهم وطلاب صفوف التاسع في المدرسة، بعد أن يكون كل منهما قد خطط بشكل جيد لحملته الانتخابية التي اختار لها شعاراً. وبعد جلسة النقاش هذه سيقوم طلاب المدرسة بالتصويت للمرشحين، وستكون هناك لجنة فرز ومراقبة لسير عمل الانتخابات لحين انتهائها.
تجربة جميلة ومفيدة لطلاب الصف التاسع، والأجمل من ذلك مبادرة أستاذ المادة واجتهاده لتحويل محتويات المادة النظرية إلى واقع عملي، يتعلم فيه الطلاب بشكل يعينهم على التخطيط لمستقبلهم، سواء كان في الجانب السياسي أو في غيره من الجوانب، وهو الأمر الذي دائما ما نأمله من معلمي المواد الذين يفترض أنهم يعالجون قصور المواد التي يدرسونها بثقافتهم وبالأنشطة التي تقرب المادة للطلاب، وتعزز استفادتهم منها قدر الإمكان.
طلاب الصف التاسع يعيشون اليوم تجربة برلمانية مصغرة، يكتسبون فيها العديد من المهارات التي لاشك وأنها ستترك أثرها فيهم غداً عندما يكبرون، ويتذكرون المشهد السياسي الذي عاشوا مرحلته الأولى في الانتخابات التي انتهت في ديسمبر الماضي. هذه الصور وهذه المواقف ستظل حاضرة لديهم، وغداً عندما يأتي الدور عليهم ليمسكوا زمام الأمور ويتبادلوا الأدوار سيثبتون لنا ان ما أعددناه بالأمس أتى خير ثماره في مستقبل مشرق نأمله لهذا الجيل.