طوال الأسابيع الماضية ركزنا في حديثنا على المدينة الفاضلة عبر عدة مقالات، تناولنا فيها كثيراً من جوانب ومعالم المدينة الفاضلة. وفي غضون ذلك خرج علينا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» بكلمة على مدى أكثر من ثمانين دقيقة، شارحاً سموه أهم ملامح ومكوّنات ومقوّمات خطة دبي الاستراتيجية الممتدة بين عامي 2007 و2015.
وأبرز سموه في كلمته أهداف هذه الخطة، ورؤية سموه للمستقبل في ضوء التنفيذ الدقيق لبنود ومكونات الخطة، حسب البرنامج الزمني الذي حدده سموه.وعند استماعنا إلى هذه الخطة، أدركنا أن حلم المدينة الفاضلة ليس حلماً يحلم به أمثالي من المواطنين الذين ينشغلون بالهم العام، بل هو أيضاً حلم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وهذا ما أسعدنا سعادة بالغة وأثلج صدورنا.
فالمواطن لا يغرد خارج السرب، وأعلى قيادة في مدينتنا لا تغرد بدورها خارج السرب، فالمواطن والقيادة في سرب واحد ويعزفون لحناً واحداً.وأرجو من القارئ الكريم أن يسمح لي بأن أقدم بعض التحليل لخطة دبي الاستراتيجية للسنوات العشر المقبلة، من منظور معالم المدينة الفاضلة التي تحدثنا عنها في المقالات السابقة؛ فالحلم والواقع يلتقيان في هذه الخطة التي أرجو لها أن تشهد تطبيقاً فعلياً على الأرض فوراً ودون أي تباطؤ.
فالعبرة ليست بالأقوال فقط بل بالأفعال أيضاً، وهذه ما عودنا عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إذ قطع شوطاً أطول بكثير من كل التقديرات والتوقعات، فحينما تم إعلان رؤية دبي في العام 2000، تم تحديد أهدافنا الاقتصادية أيضاً للعام 2010، والواقع أن سموه ومن معه من شباب هذا الوطن المعطاء نجحوا في تحقيق وتخطي هذه الأهداف خلال نصف المدة!
وعلى سبيل المثال على المستوى الاقتصادي تم تحقيق خلال خمس سنوات معدلات إنجاز اقتصادي أكثر من تلك التي كان يسعى إليها المخطط خلال عشر سنوات. وهذا الإنجاز طال أيضا إعادة هيكلة الاقتصاد والقطاع الخاص وجذب الاستثمارات وكفاءة الخدمات الحكومية والأطر المؤسسية والتشريعات والأنظمة، والبنية التحتية،
والمرافق السياحية والعمرانية ومدينتي الإنترنت والإعلام ومركز دبي المالي العالمي والمناطق المتخصصة، وتنويع مصادر الدخل الذي عوض عن محدودية الاحتياطي النفطي.ومن ثم فإننا تعودنا مواكبة الأفعال للأقوال، وهذا ما يعطينا الأمل الحقيقي في تحقيق وتنفيذ خطة دبي الاستراتيجية الممتدة بين عامي 2007 ـ 2015.
ومن أهم ما يلفت النظر في خطة دبي الاستراتيجية هو التكامل، وعدم التركيز على قطاع وإهمال القطاعات الأخرى، حيث شملت الخطة خمسة مجالات هي: التنمية الاقتصادية، التنمية الاجتماعية، البنية التحتية والأراضي والبيئة، الأمن والعدل والسلامة، والتميز الحكومي.
ومع إيماننا الشديد بأهمية كل مجال من هذه المجالات، فإني أريد التوقف في هذه المقالة، عند البعد الثقافي والاجتماعي في خطة دبي الاستراتيجية، «فالتنمية الثقافية والاجتماعية للمواطن هي حجر الزاوية في المدينة الفاضلة»، كما سبق أن أكدنا في مقال سابق بعنوان «المواطن حجر الزاوية في المدينة الفاضلة،
وهو ما أكده في كلمته صاحب السمو عندما قال: «المواطنون هم غاية الخطة، ونريد أن يكونوا أيضا الوسيلة الرئيسية لتحقيقها»، ولذا فإن سموه يضع في حسبانه زيادة الوعي والاهتمام بالنشاطات الثقافية في دبي، ويعمل على تشجيع وتعزيز المواهب الثقافية الوطنية، وتطوير مرافق عالية المستوى لاستقطاب الفعاليات الفنية والثقافية العالمية.
ولاشك ان وعي صاحب السمو بأهمية الحراك الثقافي والفني والأدبي في دبي، يدل على وعي تاريخي فريد، ورؤية قيادية على أعلى مستوى، خاصة انه يدرك ان هذا غير ممكن الا بإعادة بناء الإنسان من مختلف الجوانب الفكرية والنفسية والمعنوية، من خلال تطوير التعليم وتحديث أساليبه والارتقاء بمحتوى المناهج التعليمية وتنمية مهارات الكوادر التعليمية.
وانطلاقاً من هذا الوعي التاريخي والثقافي بأهمية التعليم في عملية النهضة والوصول الى أعتاب المدينة الفاضلة، راعى سموه ضرورة التأكيد في خطته على حصول كافة المواطنين على فرص تعليم جيدة ولم ينس أو يغفل في هذا السياق دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في مدارس القطاعين العام والخاص.
وبطبيعة الحال ليس قطاع التعليم وحده هو من يتحمل مسؤولية بناء المواطن، بل هناك قطاعات عديدة تتحمل أيضا المسؤولية، مثل قطاعات الإعلام والآداب والفنون، فلكل منها دور محدد في التنمية والبناء والتقدم، ولا قيمة لكل هذا بدون رعاية صحية، فما قيمة مواطن تم تكوينه على أعلى مستوى علمي وثقافي، وهو يحمل الأمراض، ويعاني من صحة هزيلة؟
لذلك نجد سموه يؤكد على التعليم والتوعية الصحية لتحسين السلوك الصحي العام وتفعيل عملية التخطيط للقطاع الصحي، وتطوير جودة خدمات الرعاية الصحية والوضع الصحي للسكان، وذلك بتطوير الهيكلية الإدارية الحكومية وتعميم الضمان الصحي، وتشجيع المستشفيات الخاصة للحصول على اعتماد دولي، وتطوير معايير الترخيص للكوادر الطبية.
ان الاهتمام بكل أبعاد عملية التنمية الاجتماعية والثقافية لابد أن ينعكس بدوره على الموارد البشرية وتطوير كفاءة القوى العاملة في الشأن الاجتماعي، ويؤدي بالضرورة إلى تنمية مهارات المواطنين وتأهيلهم لسوق العمل في القطاعات الاستراتيجية، وهنا تلتقي في خطة دبي الاستراتيجية التنمية الاجتماعية والثقافية مع التنمية الاقتصادية، فليست الثقافة بمعزل عن الاقتصاد، وليس الاقتصاد بمعزل عن البعد الاجتماعي، ويصب كل هذا في وعاء تنمية حس الانتماء والوعي بالثقافة الوطنية،
لاسيما مع التأكيد على اللغة العربية باعتبارها وعاء الثقافة والتاريخ الوطنيين، مما يؤدي في النهاية إلى حماية الهوية الوطنية. لاسيما مع تشجيع المشاركة المجتمعية والانتقال من منهجية الرعاية الصحية إلى منهجية التنمية الاجتماعية عبر تطوير المجتمع المدني.
وهنا يظهر أيضاً الوعي السياسي الذي يتمتع به صاحب السمو، فالمنظمات غير الحكومية لها دور كبير في التنمية عموماً والبشرية خصوصاً، لأن الدولة وحدها غير قادرة على الاضطلاع بذلك وحدها، وقد أكد ذلك مجموعة من المحللين الكبار في العالم، إن المجتمع المدني كان وما يزال دعامة أساسية في تطوير وتنمية المجتمعات الإنسانية.
وخلال ال200 عام الأخيرة أخذ هذا النشاط أبعاداً متزايدة الأهمية في المجتمعات المتقدمة أو الساعية إلى التقدم، وفي الفترة الأخيرة تصاعدت الدعوة إلى إنعاش وإشراك المنظمات الأهلية أو غير الحكومية في كل جهود التنمية والرعاية، بدءاً من المرأة والطفل وانتهاءً بالبيئة.
إن المتغيرات السريعة في عالم اليوم تخلق احتياجات مستجدة وتتطلب استجابات سريعة، ولا يمكن للحكومات، حتى في أكثر الدول تقدماً وثروة أن تلتقطها وتتجاوب معها بالإيقاع المطلوب، بينما تستطيع المنظمات غير الحكومية أن تفعل ذلك بسرعة كبيرة.
لكن ينبغي الإشارة إلى أنه رغم أخذ مدينة دبي بسياسات الانفتاح والإصلاح الاقتصادي منذ زمن غير قليل، إلا أن الإصلاح الاجتماعي ـ وهو تحرير القطاع الأهلي من القيود ـ قد تباطأ بعض الشيء، فرغم تغير كل القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية والسياسية، إلا أن القوانين المنظمة للنشاط الاجتماعي لا تزال تحتاج إلى تغيير.
فالإصلاح الشامل هو مركب ذو أضلاع اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، ولابد من وصول القطاع الاجتماعي الأهلي إلى كامل صحته وحيويته، بتحرره من المكبلات التي تحد من حريته وحركته.ولذلك فإن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني هي السبيل الأمثل لتحقيق التنمية الدائمة والمستدامة والمتواصلة حتى تصل خطة دبي الاستراتيجية إلى أهدافها الحقيقية التي أرادها لها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله.
جامعة الإمارات
Razak-doc@hotmail.com