صدر التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية بخصوص «حقوق الإنسان» حول العالم. كالعادة وباعتباره حصيلة عملية رصد ومسح شامل، سجل التقرير بين دفتيه مدى الانتهاكات ومدى التحسن في هذا المجال؛ مع تسمية الدول والساحات المعنية، كما أشار إلى حالات الانتعاش أو التراجع في موضوع الحريات، ومدى انتشار الديمقراطية في العالم.

هذا التدبير معمول به منذ بداية الستينات، وهو مرتبط بقانون المساعدات الخارجية، ترفعه الوزارة إلى الكونغرس، وعلى ضوئه يقرر هذا الأخير ـ أو هكذا يفترض ـ التصرف بالمساعدات؛ للدول التي تحظى بها. كما يتقرر على أساسه موقف واشنطن ـ أو أيضاً هكذا يفترض ـ من الدول التي لا تنال مثل هذه المساعدات، من حيث المبدأ، ينبغي أن يقدم مثل هذا التقرير مساهمة في قضية «حقوق الإنسان»؛ التي مازالت تتعرض للخروقات والانتهاكات الفاضحة في غير مكان من عالمنا.

وعلى الأقل فإن نشر المعلومات وتسليط الأضواء على هذه الجوانب، من شأنهما إحراج الجهات الفاعلة وفضحها. وربما يؤدي ذلك إلى عزلها أو النفور منها. ناهيك عن استنفار المجتمع الدولي ضدها وعمله على تحميلها المسؤولية ودفع الثمن.وبهذه الصفة فإن التقرير يمكن أن يشكل أداة ردع، تصب في تعزيز عملية ترسيخ حقوق الإنسان وحرياته.

وكونه يصدر عن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة؛ فإنه يكتسب ثقلاً إضافياً. فهي بلد المؤسسات العريقة التي يفترض أنها ضامنة لهذه الحقوق. كما هي بلد الإمكانات القادرة على ممارسة النفوذ اللازم لفرض احترامها. لكن على أرض الواقع، مثل هذا الدور المطلوب لحقه الكثير من التشويه، ومن تآكل الصدقية، إذ هجمت السياسة بقرنها عليه فأفسدته، أو على الأقل أفقدته نقاءه.

ذلك أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ـ بشكل خاص ـ أدمنت الازدواجية الفاقعة. رؤيتها محكومة بمنظار واحد. انحازت لإسرائيل، على طول الخط، فانعكس ذلك سلباً على كل علاقاتها؛ مع المنطقة. تتحدث السياسة الأميركية عن حق تقرير المصير وحقوق الإنسان وحرياته، وعندما يصل ذلك إلى تخوم فلسطين، والحقوق العربية تصاب بوصلة هذا الخطاب بالخلل.

بل هي تتجاوز القانون الأميركي نفسه الذي يقضي بقطع أو على الأقل بخفض المساعدات عن البلد الذي ينالها عندما يتلطّخ سجله في مجال حقوق الإنسان. الحاصل هو العكس، إسرائيل تمعن في مصادرة واغتيال حقوق الشعب الفلسطيني؛ وفي الوقت ذاته تزداد المساعدات الأميركية لها.

في العراق، حدث ولا حرج، خيار الحرب والاحتلال الأميركي قضى ليس على حقوق العراقيين فحسب؛ بل هو يكاد يقضي على وجودهم ذاته. والقائمة تطول: من مساجين غوانتانامو المحرومين من حق المحاكمة ـ وهو حق منحته إياهم المحاكم الأميركية، خلافاً لسياسة الإدارة ـ إلى السجون المتجولة في الخارج والتي اعترض عليها الكونغرس الأميركي وانتهاءً بمحاكمة المرتكبين فضائح أبو غريب وما قبلها وبعدها.

كل هذا يحضر مرة واحدة عند الحديث الأميركي عن حقوق الإنسان. طبعاً الموضوع مهم، والتقرير يقدم خدمة إيجابية. لكن إيجابيته باتت باهتة صيفاً وشتاء، على سطح واحد، أمر لا يستقيم، وكذلك تجزئة حقوق الإنسان لا تستقيم مع إبداء الحرص على حمايتها. رصد الانتهاكات مطلوب، لكن الأهم صون الحقوق هذه وممارستها.