إن القمة العربية التي سيتم عقدها في الأيام الأخيرة من هذا الشهر في العاصمة السعودية الرياض تواجه تحديات جسيمة وخطيرة تفترض من القادة العرب اتخاذ قرارات كبيرة وعملية تتناسب وحجم هذه التحديات التي تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية بشكل خاص. وأهم هذا التحديات وأخطرها تنحصر بشكل مباشر في ثلاثة ملفات عربية وهي فلسطين والعراق ولبنان، إضافة إلى الملف النووي الإيرني.

واتخاذ قرارات كبيرة وعملية من قبل القادة العرب يتطلب شرطاً أن تكون العلاقات العربية العربية خالية من الخلافات السياسية ومتفقة على رؤية واضحة ومتطابقة في مواقفها وإلا فإن القرارات التي ستصدر عن القمة القادمة سيكون مصيرها كسابقاتها من القرارات في أدراج مكاتب الجامعة العربية. وعندها تتحول هذه القمم السنوية إلى اجتماعات بهدف العلاقات العامة والتغطيات الإعلامية الضرورية للتسويق السياسي أمام الشعوب.

ولذلك تتوقع الشعوب العربية من القادة العرب جميعهم أن يبدأوا مشاورات مكثفة قبيل القمة لتذليل العقبات وتصفية الأجواء والاتفاق على أن الخلافات السياسية التي تتطلب وقتاً طويلاً لحلها لن تمنعهم من مواجهة التحديات من خلال العمل المشترك والموحد لصالح الجميع. وهذا يتطلب دبلوماسية نشطة من قبل وزراء الخارجية العرب وأيضاً من قبل الأمين العام للجامعة العربية قبل انعقاد القمة وبعدها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر كيف يمكن للبنان المهدد والمستهدف من الخارجين القريب والبعيد أن يستقر ويستعيد أمنه وعافيته عندما يستمر التوتر والجفاء، إن لم نقل الانقطاع، في العلاقات السورية - السعودية التي هي المحدد الأول والأهم لتعزيز اللحمة الداخلية اللبنانية وقطع الطريق على التدخلات الأجنبية الإقليمية والدولية.

لقد ناشد الوزراء العرب في اجتماعهم الأخير جميع الفئات والقوى اللبنانية إلى تعزيز الحوار الوطني والبناء على ما يجمع اللبنانيين، وعلى ما تم تحقيقه من تعزيز للقدرة على بناء التوافق الوطني بهدف التوصل إلى حلول عملية لتفويت الفرصة على كل من يريد العبث بأمن لبنان واستقراره الوطني،

مشيرين إلى أن دعوتهم هذه تأتي انطلاقاً من حرص الدول العربية على الوحدة بين أبناء الشعب اللبناني بجميع فئاته وطوائفه وصونا لسيادة وأمن واستقلال لبنان ونظراً لما يمثله لبنان من أهمية بالغة لاستقرار وأمن المنطقة وباعتباره جزءا لا يتجزأ من أمته العربية،

ولكن هذا وحده لا يكفي بالرغم من أهميته لأن التركيبة السياسية والطائفية في لبنان والتطورات التي حدثت منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وحتى الآن تؤكد على أن الدورين السوري والسعودي في لبنان وتأثيرهما السياسي المباشر وغير ذلك على العمل السياسي اللبناني قادر على احتواء الأزمات واستعادة الأمن والاستقرار لهذا البلد العربي الممزق والمخترق من جهات أجنبية مختلفة.

والمطلوب الآن وقبل فوات الأوان أن تتحد الجهود السورية - السعودية بشكل مباشر وليس عن طريق طرف ثالث قبل انعقاد القمة العربية. إن اتفاق الطائف كان نتيجة هذه الجهود الموحدة والإرادة الإيجابية لجميع الأطراف اللبنانية.

أما فيما يتعلق بالملف العراقي وهو ملف في غاية التعقيد فلا يكفي أن يؤكد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير تحضيراً للقمة القادمة على أن التصور العربي للحل السياسي والأمني لما يواجهه العراق من تحديات يستند إلى عدة عناصر هي احترام وحدة وسيادة واستقلال العراق وهويته العربية والإسلامية

ورفض أي محاولات لتقسيمه مع التأكيد على عدم التدخل فى شؤونه الداخلية. كما لا يكفي أن يؤكد الوزراء في قرارهم الختامي بشأن العراق على أن تحقيق الاستقرار في العراق وتجاوز الأزمة الراهنة يتطلب حلاً أمنيا وسياسياً متوازياً يعالج أسباب الأزمة ويقتلع جذور الفتنة الطائفية.

إن هذه التأكيدات والرؤى العربية المشتركة لوزراء الخارجية العرب بالرغم من أهميتها وصوابها تفتقد إلى آليات عملية لتطبيق هذه الشعارات المشتركة. ما يحتاجه العراق والعالم العربي الذي ينتمي له العراق هو سياسة عربية عملية تقود الدول الأعضاء في الجامعة العربية إلى مزيد من التدخل الإيجابي في الشأن العراقي

وليس فقط إلى قرارات سياسية نظرية في الوقت الذي يغرق العراق في اتون الحرب الأهلية ويسير نحو الانقسام والانفصال على أسس طائفية وعرقية سواء كان بدعم الأجنبي المحتل أو بسبب الفشل المرعب لسياسات الاحتلال خلال السنوات الثلاث الماضية.

أما فيما يتعلق بالملف الفلسطيني وهو الأعقد بين هذه الملفات والأقدم زمنياُ فإن القادة العرب أمام معضلة حقيقية مفادها أن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى أعلن في القمة المنصرمة أن عملية السلام «ماتت» وانتهت ولم يعد ممكناً إحياؤها وأن اللجنة الرباعية غير قادرة أو عاجزة لتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة،

وأن الدول العربية ستعيد ملف القضية الفلسطينية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة بشكل عام في شهر سبتمبر 2006، ولكن الذي حصل في أروقة الأمم المتحدة وخاصة في مجلس الأمن أن الدول الأعضاء لم تكترث كثيراً لهذا الأمر وأعلنت أن هذا الملف يجب إعادته إلى أحضان اللجنة الرباعية التي تقودها وتسير جدول أعمالها الولايات المتحدة التي تقليدياً طالما تبنت موقفاً منحازاً لصالح إسرائيل ضد المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني وغير مكترثة لمصالحها وعلاقاتها مع العالم العربي.

حتى المبادرة العربية التي اعتبرها العديد من المحللين والسياسيين قدمت العديد من التنازلات لإسرائيل قبل أن تعترف إسرائيل بالحقوق العربية غير مقبولة من قبل إسرائيل ومن وراء إسرائيل لا سيما الولايات المتحدة. لقد اضطر عمرو موسى قبل أيام قليلة لتقديم تصريحات يؤكد فيها أنه لا يمكن تعديل مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت خاصة بندي الانسحاب الإسرائيلي حتى حدود 1967 وحل قضية اللاجئين وفقا للقرارات الدولية.

هذه التصريحات جاءت رداً على وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني التي طالبت بتعديل المبادرة العربية مشيرة إلى أنها غير مقبولة بصيغتها الحالية، كما تزامنت هذه التصريحات مع ذروة الجهود المبذولة لتشكيل حكومة وحدة وطنية بناء على اتفاق مكة ومع اللقاء الذي عقده الرئيس محمود عباس قبل أيام مع رئيس الوزراء إسماعيل هنية في غزة لاستكمال بعض التفاصيل الخاصة بتشكيل الحكومة،

علماً أن اتفاق مكة الذي وقعته حركتا فتح وحماس استند إلى المبادرة العربية التي شكلت القاسم المشترك السياسي الذي يمكن أن تجمع عملية الساحة الفلسطينية والدول العربية فيما يتعلق بحل القضية الفلسطينية، وهي المبادرة التي تستند الى قرارات الشرعية الدولية

وتربط الاعتراف بإسرائيل بالانسحاب إلى حدود عام 1967 وحل قضية اللاجئين على أساس القرارات الدولية، مما يعني أن إسرائيل ومن يدعمها في الغرب والشرق أيضاً سيعملوا من الآن فصاعداً على تعديل المبادرة العربية لنسف اتفاق مكة من جهة والإضرار بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني من الجهة الأخرى.

الحقيقة لايكفي أن يدعو عمرو موسى ووزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم الأخير للتحضير للقمة العربية مجلس الأمن الدولي إلى تحمل مسؤولياته والتحرك لاتخاذ الخطوات والآليات اللازمة لحل النزاع العربي - الإسرائيلي بجميع جوانبه وتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.

كما لا يكفي مطالبة عمرو موسى اللجنة الرباعية الدولية استئناف العمل الجاد من أجل تحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط على أساس خطة خارطة الطريق ومبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بعد إعلان وفاة عملية السلام.

لقد آن الأوان للجامعة العربية والدول الأعضاء أن يأخذوا ولو لمرة واحدة المبادرة ليس لإطلاق مبادرة عربية بشأن قضية محددة ولكن مبادرة عملية لتقديم الدعم الحقيقي سواء المادي والاقتصادي والسياسي وغير ذلك للقضايا العربية المختلفة لإرساء الخطوات العملية التي تحتاجها القضايا الساخنة في العالم العربي.

لم يعد مناسباً أن ننتظر الآخرين من الخارج البعيد أو الخارج القريب لإطلاق المبادرات التي ثبت للجميع أنها لا تتناسب مع الواقع العربي وفشلت فشلاً ذريعاً سواء في فلسطين أو العراق أو لبنان.نتمنى النجاح للقمة العربية القادمة لأن القضايا العربية لم تعد تحتمل فشلاً جديداً.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com