رئيس أميركي يصدر أمراً رسمياً باغتيال رئيس حكومة إفريقي.هذا واحد من الأحداث المثيرة الخطيرة التي تحفل بها مذكرة أحد كبار الضباط المتقاعدين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ونشرت الآن في كتاب بعنوان «مكافحة الحرب الباردة في منطقة ساخنة».

لاري دلفين يروي بالتفصيل تجربته كمدير محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الكونغو خلال مطلع عقد الستينات في القرن الماضي، وإذا أردنا أن نلخص مغزى هذه التجربة في عبارة واحدة فلن نجد أفضل من كلمة «القذارة».ومن ناحية أخرى فإن هذه التجربة القذرة تؤكد لنا أن الحاضر الأميركي الذي يحمل عنوان «مكافحة الإرهاب الإسلامي» ليس سوى نسخة منقحة من الماضي الأميركي الذي حمل عنوان «مكافحة المد الشيوعي».

الرئيس الأميركي الذي أصدر أمر اغتيال زعيم إفريقي هو دوايت أيزنهاور. والزعيم الإفريقي هو باتريس لومومبا رئيس وزراء الكونغو عند بداية الستينات، آنذاك صار الكونغو فور إعلان استقلاله في عام 1960 من أهم مسارح الحرب الباردة الدائرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، علماً بأن لومومبا كان..

مثله مثل جمال عبدالناصر وكوامي نكرونا (غانا) وفيديل كاسترو ـ في طليعة الزعامات الوطنية في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية التي كانت تلقى تضامناً ودعماً من موسكو.في هذا الظرف وصل لاري دلفين لفتح أول محطة لسي أي إيه في الكونغو، كان هناك فوضى عارمة نشأت عن أزمة قبلية عقب انتخابات عامة اكتسحها حزب باتريس لومومبا

وبالتالي تولى منصب رئيس الوزراء حاملاً أجندة اشتراكية، وهكذا كان ظاهر الأمر ولكن في حقيقة الأمر لم يكن الصراع السياسي القبلي سوى واجهة لصراع قوى دولية حول النفوذ في أغنى دولة إفريقية من حيث الثروات المعدنية الثمينة خاصة اليورانيوم والذهب والنحاس والألماس.

وكانت الأجندة الرئيسية التي كلف بها رجل السي أي ايه الجديد هي التمهيد السياسي لدخول رؤوس الأموال الأميركية عن طريق تحييد الحركة الوطنية الاستقلالية التي كان يتزعمها لومومبا، وعلى هذا المنوال كانت هذه الأجندة تتطلب تقسيم البلاد جغرافياً.. بمعنى فصل الإقليم الذي تنحصر داخله الثروات الطبيعية ليكون على المدى البعيد دولة مستقلة تحت حكم عميل كونغولي للولايات المتحدة.

بناءً على هذه الاستراتيجية كان على رأس أولويات دلفين إقصاء لومومبا عن سلطة الحكم. هنا تلقى دلفين أمر الرئيس أيزنهاور باغتيال الزعيم الإفريقي ويروي لنا دلفين ان واشنطن بعثت إليه خبيراً كيماوياً وصل بالفعل إلى الكونغو لتدبير أمر قتل لومومبا عن طريق السم. وتحديداً مادة سامة ممتزجة بمعجون أسنان.

لكن ـ يقول دلفين ـ جرى تعديل الخطة لاحقاً بحيث تنفذ عملية الاغتيال دون أن يبدو أن الولايات المتحدة متورطة فيها، في هذه الأثناء جرى تنفيذ خطة فصل الإقليم الغني بالمعادن ـ إقليم كاتنجا وعين حاكماً له عميل كونغولي أميركي يدعى مويس تشومبي.

وبإشارة سرية من دلفين إلى قائد الجيش الكونغولي جوزيف موبوتو الذي كانت السي أيه قد استقطبته كعميل قبض موبوتو على لومومبا وبعث به مقيداً في طائرة خاصة إلى حاكم كاتنجا الذي قتله فور وصوله. وكانت المكافأة الأميركية التي تلقاها موبوتو هي تصعيده إلى منصب رئيس جمهورية الكونغو.