ألا تلاحظون تغيراً في قيمنا المعاصرة؟ فكلما نتقدم في تعلم وتطبيق قشور التطور الحقيقي والحياة الاستهلاكية، وشيوع المصالح الخاصة كلما نتراجع ثقافياً وقيمياً.تعاني مجتمعاتنا اليوم من ظاهرة النفاق الاجتماعي، والنفاق الاجتماعي هو الإدعاء الكاذب على أنه صادق، والمبالغة في المجاملة لتحقيق أغراض شخصية او مراعاة لعلاقات أسرية أو قبلية. لقد اختلت الموازين، وتغيرت الكثير من قيمنا الجيدة إلى الأسوأ للأسف. أما البحث في أسباب ذلك التغير فهي عديدة.
لقد طغت على حياتنا المعاصرة المصالح الشخصية وثقافة الحياة الاستهلاكية، وضعفت ثقافتنا وتدهورت التربية وكذلك التعليم، وخرجت إلى سطح الحياة الاجتماعية ظواهر إما لم نعهدها من قبل، أو ظواهر اعتقدنا بأنها اختفت بسبب التطور الحضاري الذي تشهده الشعوب في تاريخنا المعاصر.
لماذا يلجأ المرء الى النفاق؟ من المؤكد أن دوافع ذلك السلوك تعود إلى قصور في الوعي وضعف في الشخصية او لتحقيق مصالح ذاتية. ويلقى النفاق قبولا مجتمعيا لأن الذي يشعر بالراحة والنشوة من النفاق يمارسه مع الآخرين، وفي أحيان كثيرة يعرف الناس أن الذي يواجهونه نفاقاً، ويقبلونه ويتجاوبون معه.
وهناك علاقة عضوية بين المجاملة المفرطة والنفاق الاجتماعي. فعندما يمتدح شخصاً آخر هو لا يثمن عملاً جيداً قام به بل يريد إيصال رسالة ما إلى الممدوح لغرض في نفس يعقوب، وماذا تقول عن الذي يذهب إلى المقبرة عند دفن صديق أو قريب أو غيرهما وتجده والناس مشغولة بمراسم الدفن والعزاء يتحدث مع زمرة من الأصدقاء عن صفقة تجارية او مصلحة ما ويتبادل التهاني والضحكات على مسمع الناس؟
هل جاء هذا الشخص للمشاركة في مراسم الدفن والعزاء ملتزما بأدب المناسبة، أم جاء مجاملة وربما رداً لجميل سابق من ذوي المتوفي؟ وماذا يعني ان شخصاً تذكر صديقاً قديماً بعد سنوات طويلة ليسأل عنه، ويقوم بزيارته عندما أدرك أن له مصلحة معه تتطلب هذا التواصل بعد الفراق الطويل؟
إن المجاملة العاقلة جزء من حياتنا الاجتماعية، وهي ضرورية حتى لا تكون الحياة جافة بيد أن المجاملة المفرطة ولأغراض خاصة هي مرض يقود إلى النفاق الاجتماعي، والذي هو بدون شك وباء يصيب مجتمعاتنا اليوم، وتتضح الصورة أكثر عندما نرى بأن مثل تلك العلاقات والتصرفات النفاقية تنتهي بانتهاء تحقيق من مارس النفاق لأغراضه الشخصية، ولم يعد يحتاج إليها مع هذا الطرف ليتحول في ممارستها مع الآخر وهكذا.
قد لا يرى البعض غضاضة، أو لا يعطي مثل هذه الأمور أهمية معينة إلا أن شيوع مثل هذه الظواهر تدل على اختلال في القيم الاجتماعية ربما هو جزء من التخلف بمعناه الشامل. إن الأمثلة والصور في حياتنا اليومية كثيرة فقد حدثني صدفة أحد الوزراء المتقاعدين مرة بأنه عندما عين وزيراً كان ديوانه يعج بالمهنئين والرواد طوال فترة وجوده وزيراً، وعندما أعفي من منصبه لم يتردد على ديوانه إلا قلة من أفراد العائلة وبعض الأصدقاء، وصدق طه حسين عندما قال أقبلت فأقبلوا.
إن الأمر قد وصل حد التظاهر بالتدين مجاملة فتجد المنافق ذا شخصيتين فيظهر بشخصية المتدين عندما يزور جمعاً من المتدينين فيكثر من ترديد الآيات القرآنية والأحاديث والاستغفار وغيرها، ويظهر بشخصية الإنسان العادي عندما يزور الليبراليين أو بعض المثقفين وتجد محاضرته في جمعية دينية غير النهج والنفس الذي ألقي فيه محاضرة في جمعية أخرى من جمعيات أو مؤسسات المجتمع المدني، ويقول لك لكل مقام مقال!
أما النفاق مع السلطة أو أقطابها أو المفاتيح الموصلة لها فحدث ولا حرج فهو يمتدح الشخص ويبالغ في المدح ويقول لم أكن أريد قول ذلك أمامك لكنني أقول الحقيقة! وإن أناساً مغرمون بسماع ذلك النفاق وتصديقه ولعقدة النقص لديهم يصدقون تلك المبالغات والنفاق وتصيبهم النشوة، ويطربون لسماع نفاق المنافقين. الأمر ليس مشكلة عندما يكون في حدود حالات فردية، ولكنه يصبح أكثر خطورة عندما يصبح ظاهرة اجتماعية وهو ما نعيشه ونمارسه اليوم.
كاتب كويتي
