عادت التفجيرات الإرهابية في العراق لتحصد أرواح المئات من العراقيين في مشاهد وحشية تنم عن فقدان كل القيم والمعاني الإسلامية والأخلاقية في جرائم لا يمكن أن يرتكبها إلا اشخاص تنصلوا من كل الضمائر والقيم الإنسانية.

في شارع المتنبي العريق والذي يعتبر مركز الثقافة والمثقفين في بغداد ، حدث قبل يومين تفجير إرهابي أودى بحياة 40 شخصا وجرح المئات واعتبر وصمة عار في تاريخ العراق واستهدافا غير مبرر للباحثين عن المعرفة والثقافة، ويوم أمس في الحلة تم ارتكاب مجزرة جديدة بحق الآمنين بلغت حصيلتها حوالي 90 قتيلا حتى الآن مع احتمال ارتفاع الرقم بسبب شدة الإصابات.

إنها مجزرة مفتوحة على كل الاحتمالات ، ولا يكفي أن نقول أنها دليل على فشل الخطة الأمنية الأميركية - الحكومية الجديدة ، ولا أن يستمر البعض في إعطاء المبررات لهذه الجرائم.

ما يحدث من جرائم ومجازر في العراق الآن بات أكثر من مجرد مواجهة طائفية لأن بعض هذه الجرائم وخاصة تلك التي تحدث في الجامعات وفي دور العلم والمدارس والمراكز الاقتصادية والتجارية وفي شوارع بيع الكتب ، تهدف إلى إعادة العراق كله عقودا طويلة إلى الوراء والهجوم على كل مكتسبات الحضارة والعلم والثقافة في بلاد الرافدين.

هناك تحشيد طائفي مستمر من الميليشيات الشيعية ومن تنظيم القاعدة، ومن المؤسف أن الساسة العراقيين من الشيعة أو السنة اصبحوا هم أيضا رهنا لهذا التحشيد والتعبئة، وبات من الصعب ظهور شخصيات سياسية عراقية ذات طبيعة مدنية ووطنية خارج إطار التنظيمات الطائفية المتطرفة، وبات القرار السياسي العراقي مرهونا بيد رؤساء فرق الموت وميليشيات الصدر والبدر أو إمارات القاعدة الإسلامية.

العراق بحاجة ماسة إلى أكثر من النقد للسياسات القائمة، وإلى جهد عربي صادق في دعم هذا البلد وشعبه لاستعادة دور المؤسسات الوطنية وإضعاف وإنهاء دور التنظيمات الطائفية، وفي هذا السياق يحتاج العراق وشعبه إلى وقفة عربية رسمية وشعبية لإعادة الأمن والاستقرار الذي اصبح الأولوية الرئيسية للمواطن العراقي الآن.

منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق كان الموقف الأردني الذي كان رافضا للحرب يتعامل بتكيف وسرعة مع استحقاقات ما بعد الحرب ، حيث فتح الأردن أبوابه للمواطنين العراقيين الهاربين مؤقتا من جحيم العنف في العراق وأغلق اية منافذ ممكنة لعناصر التطرف والإرهاب التي يمكن أن تنتقل بين البلدين.

كما كان للملك عبدالله الثاني موقف واضح في ضرورة دعم الشعب العراقي لبناء مؤسسات وطنية وتحقيق الأمن والاستقرار بالتناغم مع تحقيق انسحاب كل القوات الأجنبية وتمكن الدولة العراقية من بسط سيطرتها على العراق الموحد، ولكن عنف ووحشية التنظيمات الطائفية وعدم حكمة بعض القرارات الحكومية، وقفا حائلا دون تحقيق الكثير من التقدم السياسي وساهم كل ذلك في تعظيم الانقسام الطائفي في العراق.

الاستجابة للتحدي الأمني والسياسي في العراق تبقى مسؤولية عراقية وعربية جماعية لأن مستوى العنف غير قابل للاحتمال والتبرير، وهناك جرائم تراكب بشكل يومي في العراق وما يحتاجه الشعب العراقي ليس عنتريات لفظية ولا شعارات ولا مزيدا من التعيئة الطائفية ولا شماتة بالحكومة، بل يحتاج جهدا صادقا لمنع العنف، وهذا ما سيكون عنصرا محوريا في زيارة جلالة الملك إلى الولايات المتحدة والتي يحمل فيها الرؤية العربية الموحدة تجاه الملفات الساخنة في المنطقة ومنها الملف العراقي، الذي يحتاج إلى حل عربي وإلى تقوية المؤسسات الوطنية التي تجمع كل العراقيين ، ويمكن لها وحدها أن تتغلب على التنظيمات الطائفية.