أضفى النشاط السياسي العربي في الآونة الأخيرة قدرا لا بأس به من الشعور بالارتياح في أوساط الشعوب العربية ربما لأول مرة على هذا المستوى منذ عقود.

بواعث الارتياح تأتي من خلال الشعور بأن اتفاق مكة قد حسم المواجهات الدامية بين الفلسطينيين عبر اتفاق لا يزال صامدا حتى الان ويجري على اساسه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية المقبلة كما تأتي ايضا من خلال موقف المؤتمر الوزاري العربي المنعقد مؤخرا في القاهرة للترتيب لقمة الرياض والذي رفض أي تعديل على مبادرة السلام العربية التي تم اعتمادها في قمة بيروت عام 2002.

كما أن مساحة الأمل في حل المشكلة السياسية اللبنانية تتسع مع دعوة الفرقاء اللبنانيين الى الاجتماع في السعودية بمعالجة مشاكلهم والوصول الى تسوية تصمد صمود اتفاق الطائف عام 1989 والذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وارتضته كل الأطراف ولا يزال يشكل أساس تفاهمات كافة الطوائف السياسية اللبنانية الى اليوم.

كذلك فإن زيارة الرئيس الايراني الى السعودية مؤخرا قد تركت انطباعا اكبر بأن ثمة موقفا عربيا يمكنه أن يبعد شبح حرب جديدة في المنطقة تلوح بها الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران ، ذلك فضلا عن الأمل في أن تكون هذه الزيارة مقدمة لتسوية مقبولة في العراق تساهم فيها كافة الاطراف العربية والاسلامية.

إذا فمعالم اشتداد عود الوفاق العربي حول الطروحات العربية لخلق استقرار إقليمي راسخ في المنطقة صارت اكثر وضوحا من ذي قبل ، والأمل معقود في أن تخرج قرارات قمة الرياض العربية المقبلة بما يعزز هذه الآمال التي ظلت عزيزة لفترة غير قصيرة.

فالمشهد العربي الراهن لا يسر أحدا بالنظر الى اتساع حجم الاضطرابات والحروب الاهلية او اشباحها المطلة برءوسها كما في العراق ولبنان وفلسطين والسودان والصومال وكلها صراعات جرَت تدخلات اجنبية واضحة المعالم تتفاوت ضراوتها بمقدار ارتداد هذه الصراعات بالمنفعة على الأطراف الاجنبية التي تذكي أوارها وتنفخ في نارها.

يريد الانسان العربي أن يشعر أن هناك موقفا عربيا بدأ في الاشتداد لقمع هذه النزوات الطارئة لدى بعض المغامرين في العالم من الساسة أو اصحاب المصالح الاقتصادية لنهب مزيد من الثروات العربية، فالصراعات تصرف النظر عن خطط التنمية وتتيح الفرصة لانتشار الفساد والتربح على حساب المصالح القومية العليا .

نعم .. يريد الإنسان العربي أن تخرج القمة العربية من نطاق الجدل حول امور إجرائية روتينية كترتيب جدول الأعمال أو اعداد التوصيات (واعلانها) قبل انعقاد القمة الى غير ذلك من أمور كانت تثير قلقا عربيا واسع النطاق في الماضي وتبعث على شعور بالملل والتشاؤم من أفق العمل العربي المشترك .

إن القضايا الملحة على الساحة العربية لم تعد تترك مجالا للتبسط في النظر الى التحديات التى تجابه العرب وتصادر مشروعاتهم الحضارية ورؤاهم المستقبلية وبرامجهم التنموية ورغم كل المصاعب الراهنة الا ان هناك قناعة راسخة بأن كوامن الوطن العربي تكتنز الكثير من إمكانيات إثبات الذات العربية وتحقيق انتصارات دبلوماسية وسياسية ننتظر تعزيزها في مؤتمر الرياض المقبل .