لا يكاد يمر علينا أسبوع في دولة الإمارات العربية المتحدة دون أن نقرأ إعلاناً عن فعاليات مؤتمرات أو ندوات أو حلقات نقاشية في مختلف المجالات والتخصصات، سياسية كانت أو اقتصادية أو تعليمية، أو اجتماعية، وما إلى ذلك من موضوعات يطرحها متحدثون يتفاوتون في درجاتهم العلمية وسيرهم الذاتية، ومع هذا الزخم الكبير من هذه المؤتمرات والندوات نتساءل: هل هناك مركز أبحاث في الدولة يعنى بمتابعة هذه المؤتمرات وما يدور فيها؟
بمعنى آخر هل هناك مركز يختص بجمع وأرشفة هذه الأطروحات وتعزيز الاستفادة منها للدولة ومؤسساتها؟ من متابعتنا المتواضعة يتضح أن هذا الزخم من اللقاءات المعرفية وما تتضمنه من طرح لقضايا في غاية الأهمية، وآراء لا ينبغي تجاهلها وتبقى مسؤولية حفظها وأرشفتها في وسائل الإعلام المختلفة التي تغطي جانباً يسيراً مما يجري في هذه المؤتمرات والندوات، الأمر الذي قد يعطل علينا الاستفادة منها على الوجه الأمثل، خاصة.
وأن المشاركين في غالبية هذه المؤتمرات من صناع القرار ونخبة من المتحدثين في العالم، كما أن الإنفاق على هذه المؤتمرات مادياً يعتبر كبيراً ويعكس اهتمام الدولة بأن تكون محطة لتبادل الأفكار والأطروحات، فصناعة المؤتمرات باتت ميزة لدولة الإمارات التي ربما تفوقت على غيرها في القدرة على جعل هذه المؤتمرات مستمرة طوال العام دون انقطاع، وبشكل يواكب الأحداث العالمية والمحلية، بحيث لا تبقى الدولة في معزل عن فضاء العالم.
إن هذه الأهمية التي تكمن في هذه المؤتمرات التي تغطيها وسائل الإعلام مشكورة بكثير من الجهد، بحاجة لأن نمنحها مزيداً من الاهتمام من خلال قيام مركز أبحاث مختص برصد كل صغيرة وكبيرة في هذه المؤتمرات، وتعميم هذه الجلسات والحوارات والدراسات على الجهات الحكومية والخاصة التي تفتقر إلى مركز أبحاث يغذيها باحتياجاتها تلك التي لا يستطيع قسم صغير فيها تخصصه للإعلام أو الأبحاث عن تلبية متطلباتها، وحديثنا عن مركز أبحاث «راصد» لهذه المؤتمرات لا شك في أنه يقودنا إلى مشكلة أكبر لطالما طالبنا بحل لها، لأهميتها البالغة.
وهي مشكلة عدم وجود مراكز أبحاث كافية في الدولة تكون مرجعاً للطلاب والباحثين في الداخل ومن الخارج، وللمؤسسات الحكومية وغير الحكومية لإعانتها على تأدية دراساتها واتخاذ قراراتها، لاسيما أن كانت هذه المراكز ستعنى بإصدار مطبوعات تغني بها وتثري الساحة البحثية.
في مقال سابق، أشدنا بجهود مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في إمارة أبوظبي، فهذا المركز بالعاملين فيه، ومستوى كفاءتهم، بالإضافة إلى أنشطته المتنوعة بين إقامة المؤتمرات والندوات واستضافة نخب المجتمعات الدولية من الباحثين والمتحدثين.
وبما يصدره من مطبوعات، وبما يحتويه من إمكانات مادية عززت الموارد البحثية لطالبيها، يعتبر نموذجاً ينبغي الاحتذاء به والاستفادة من تجربته لإيجاد مراكز أخرى تقوم بالأدوار نفسها أو ما يفوقها، فنحن كدولة لا تنقصنا الخبرات ولا الإمكانات المادية والبشرية، وكل ما نحتاجه هو إيلاء البحث والدراسات أهمية أكبر كتلك التي نوليها لشؤوننا الأخرى إن كانت في السياسة أو الاقتصاد.