شطحت عملية تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، أكثر من اللازم. مضى على المباشرة بها حوالي ثلاثة أسابيع. المهلة القانونية لإنجازها، خمسة أسابيع. صحيح أنها لا تزال ضمن المدة. وصحيح أيضاً أن إنضاج طبختها من دون تسرع، أمر مرغوب؛ بحيث تأتي التركيبة متماسكة، وبالتالي قادرة على مواجهة الاستحقاقات والتحديات الكبيرة التي تنتظرها، لكن للظروف أحكام.
والظرف الفلسطيني والإقليمي الراهن، يقتضي السرعة بقدر ما يتضرر من التسرع، فلا جدال أن اللحظة غير اعتيادية، ثم إنها حافلة بعوامل التفخيخ؛ المحلي منه والإقليمي. والمنطقة في سباق مع الزمن؛ في أكثر من ساحة الأمر الذي لا يتسع معه المجال لترف التأجيل المكرر، في تأليف الحكومة الفلسطينية؛ التي ينبغي أن تسري عليها قاعدة «خير البر عاجله».
اتفاق مكة قضى بالتوصل إلى صيغة حكومية جامعة. ولا شك أن الطرفين متمسكان بالتزامهما، في هذا الخصوص. فليس هنا مكمن التخوف أو القلق، التراجع غير وارد. في أسوأ الحالات، لا يقوى أحد، على تحمل تبعاته.
التخوف ينبع من أن التأخير ينطوي على مجازفة. الطبيعة الهشة للأوضاع في المنطقة؛ والترابط فيما بينها، لجهة الانعكاسات والتأثر المتبادل لتطوراتها على بعضها البعض؛ من شأنه أن يضع كل شيء في مهب الريح، كل ملف في المنطقة محكوم، إلى حد بعيد، بما يحصل للملفات الأخرى؛ الموضوعة كلها فوق نار حامية.
ثم إن واقع الحال الفلسطيني لم يعد قادراً على احتمال المزيد من الانتظار. هو منهك من الحصار ـ المفروض أن يكسر تشكيل الحكومة خناقه، على الأقل، إذا لم يقوَ على فكه كلياً ـ وأيضاً من الإحباطات السياسية الداخلية.
طبعاً ليس المطلوب سلق تشكيلة حكومية بأسرع ما يمكن وكيفما اتفق؛ لإشفاء غليل الشارع الفلسطيني، المتعطش لوحدة وطنية صلبة. لكن استمرار التعثر وتكرار الذرائع نفسها؛ لا يخدم الغرض المنشود، تمديد العملية بذريعة «استكمال المشاورات»؛ ثم تجديد هذا التمديد بدأ يفتح الباب أمام التساؤلات. خاصة عندما بدأ يتسرب أن هناك «مسائل خلافية»؛ تعذر تجاوزها، حتى الآن. ومنها الخلاف على حقائب وزارية معينة وعلى أسماء وأدوار ومواقع.
قد يكون ذلك مفهوماً في عالم السياسة، فالمناورات والمساومات من أشياء اللعبة المألوفة. شرط أن لا تكون أو أن لا تتحول، إلى استمرار للعبة الصراع على السلطة وبالآفاق التي حكمتها؛ قبل اتفاق مكة. فالقوى الفلسطينية المعنية تدرك تماماً مدى سرعة عطب الساحة الداخلية، ومدى انكشافها. في نفس اليوم ـ أول من أمس ـ التي كانت المفاوضات فيه جارية بين الرئيس عباس والرئيس المكلف هنية؛ حصل إطلاق نار ولو في الهواء، قرب عناصر من الفريق الآخر لإشعارها بالنية في استرجاع أحد مراكزها من هذا الآخر.
حادثة صغيرة وغير ذي شأن، لكنها تدل على مدى جاهزية الوضع للالتهاب. على أن الخطر الأكبر الذي ينطوي عليه التأجيل يكمن، بلا شك، في المحاولات الحثيثة التي تقوم بها إسرائيل لتخريب اتفاق مكة؛ والحيلولة بالتالي دون ولادة الحكومة العتيدة الموعودة. وآخرها محاولة ليفني مع الأوروبيين لعدم فك الحصار عن الحكومة؛ ناهيك عن استمرار المضايقات والحواجز وعدم إفراجها عن الأموال الفلسطينية، فإذا كان في التروي السلامة فإن الحسم في الحكومة هذه فضيلة.