يمثل إقليم دارفور جزءا من أهم أقاليم السودان تاريخيا وبشريا، فقد شهد تاريخا عريقا وغنيا بالأحداث والوقائع، وكانت له سلطناته الخاصة التي لعبت أدوارا مهمة في تاريخ السودان القديم والحديث.

ورغم الظروف الاقتصادية السيئة التي يعانيها سكان الإقليم منذ أمد بعيد، إلا انه زاخر بالعديد من الثروات الزراعية المتنوعة. لكن الثروة الأهم التي غيرت مجرى حياة السكان في هذا الإقليم وأدخلته في حسابات «لعبة الأمم» الجديدة، هي ثروة النفط التي اكتشفت مؤخرا بكميات واعدة، فكانت الجذوة التي أشعلت نيران صراعات إقليمية ودولية على هذه الثروة الاستراتيجية الحيوية، ولكن خلف أقنعة داخلية محلية عاثت في الأرض فسادا وأدت إلى مقتل الآلاف من السكان وتشريد أضعافهم خارج قراهم ومواطن عيشهم، إلى مناطق أخرى داخل السودان أو في بعض دول الجوار.

المأساة الإنسانية التي تعرض لها سكان دارفور منذ بدأت هذه المحنة المروعة، أثارت مشاعر وغضب الكثيرين في مختلف أنحاء العالم، وكان طبيعيا أن يحصل ذلك عند كل من له قلب أو ضمير حي. كما كان من الطبيعي أن تكون «الأمم المتحدة» من بين الأطراف الكثيرة التي هزتها هذه الكارثة، باعتبار أنها تمثل «ضمير العالم» أو هكذا يفترض أن يكون.

وفي هذه الحالة كان المنتظر من هذه الهيئة الدولية «المكلفة بحفظ الأمن والسلم العالميين»، أن تبحث عن الأسباب الفعلية للصراع القائم وعن الجناة المسؤولين عن أعمال القتل والنهب الإجرامية التي تعرض لها السكان المدنيون الأبرياء. لكن، قبل ذلك، كان عليها أن تعمل أولا على وقف استمرار العنف ومعالجة آثاره المدمرة التي لا تحتمل المساومة أو التأجيل.

لكن الهيئة «الموقرة جدا»، أصبحت على ما يبدو مجرد مرآة عاكسة لواقع الأحادية الدولية الراهنة، وبالتالي تحولت هي الأخرى إلى عوراء لا ترى إلا بعين واحدة، وهي بالطبع عين ما يرضي القطب الأحادي المهيمن عالميا!لذلك عملت الأمم المتحدة جاهدة من أجل إرسال «قوات دولية» إلى دارفور، لكنها لم تكلف نفسها تقديم المساعدة المطلوبة لكي تتمكن قوات السلام الإفريقية، الموجودة فعلا في الإقليم، من أداء المهام والمسؤوليات المناطة بها!

وبدلا من أن تقوم هذه المنظمة «الموقرة جدا» بالسعي لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المحلية للنزاع تمهيدا لإيجاد وسائل سلمية تنهيه أو تخفف حدته، عمدت إلى إذكاء ناره من جديد عبر توجيه الاتهامات والانتقادات المباشرة للحكومة وملاحقة بعض المسؤولين الحكوميين عن طريق «محكمة العدل الدولية»، ما أوصل رسالة، يبدو أنها مقصودة، لأطراف النزاع المناوئة للحكومة المركزية تقول بان اللوم والاتهامات كلها ستوجه للحكومة وأعضائها وبالتالي فان بإمكانهم، ضمنا، عدم التجاوب مع أي مبادرات أو حلول لإنهاء المأساة التي يحاول بعض الأطراف تحويلها إلى «ملهاة» للعب بالدماء والدمار.

ولا يعني ذلك بالتأكيد تبرئة حكومة الخرطوم أو نفي مسؤوليتها عن الكثير من الأهوال التي ارتكبت، أو التهاون في استباق الحريق والعمل على نزع فتيل الصراع قبل استفحاله. بل أكثر من ذلك، فان الحكومات المركزية المتعاقبة منذ استقلال السودان، تتحمل كل منها جزءا من المصير الذي آل إليه هذا الإقليم التاريخي العريق وسكانه الذين حرموا طويلا من حقهم على وطنهم وحظهم من ثرواته وموارده.

لكن إذا كانت الحكومة السودانية مقصرة في واجبها تجاه بعض مواطنيها، أو عاجزة عن القضاء على بعض المتمردين على سلطتها، سواء ممن كانوا يأتمرون بأمرها أو من الرافضين لنهجها وممارستها من أبناء السودان، فان ذلك لا يبرر ولا يجيز لمنظمة الأمم المتحدة أن تخالف ميثاقها أو تخل بالمبادئ الأساسية التي أنشئت من أجل احترامها والعمل على تطبيقها بالعدل والمساواة بين جميع الدول والشعوب.

ولا أن تسخر وسائلها وإمكانياتها السياسية والدبلوماسية وغيرها خارج حدود الشرعية الدولية المحددة في ميثاق الأمم المتحدة نفسه وفي غيره من المعاهدات والمواثيق الدولية، بما في ذلك احترام مبدأ السيادة الوطنية والوحدة الإقليمية للدول وفق حدودها السياسية والجغرافية المعترف بها دوليا.

صحيح انه في عالم القطب الواحد المستبد لم يعد لمثل هذه المبادئ والمواثيق وجود فعلي على ارض الواقع، لكن اعتراف الأمم المتحدة بذلك ومجاراتها له وقبولها بالنتائج المترتبة عليه، إنما يعني قبل كل شيء إنهاء دور الأمم المتحدة ذاتها، بل ومبرر وجودها أصلا.

وفي هذه الحالة تفقد كل العبارات ذات العلاقة معانيها السابقة، ويصبح لكل من شاء أن يعرّف ما يشاء كيفما شاء. وحينها يمكن أن يطلق الوصف ذاته على الشيء ونقيضه في آن معا، ليعود العالم إلى ما قبل عصبة الأمم، والى دورة جديدة من الحروب والصراعات، وحينها لا احد يعلم كيف ستكون النهاية.