إذا أردنا أن نعرف مقدار تقدم الدول وتطورها فيمكن أن نستدل على ذلك قياساً بنسبة تعلم أبنائها ونوعية هذا التعليم وهكذا تقاس المجتمعات المتطورة بتعلم أبنائها ومستوى هذا التعليم وتطوره. وانطلاقاً من هذا المعيار تعمل الدول جاهدةً إلى وضع خطط متكاملة للتعليم تستهدف كافة فئات المجتمع الصغار والكبار وتبدأ بتطبيق تلك الخطط بعد أن توفر البنية التحتية للتعليم من هيئة تعليمية وتربوية وإشرافية ومباني ومستلزمات التعليم باعتبار أن التعليم يعتبر من الأهداف الإستراتيجية للدولة .

كما أن هناك جهة متخصصة تكون مهمتها متابعة المسيرة التربوية وتعمل هذه الجهة جاهدةً بمتابعة تنفيذ خطط التعليم والمستوى الذي وصل إليه الطلبة على كافة مستوياتهم ومدى انعكاس إيجابيات تعلمهم على المجتمع والدولة من حيث الثقافة العامة والتطور الفكري للمستهدفين من التعليم ومدى انعكاس هذا التطور على مجتمعاتهم وكذلك الحال بالنسبة إلى مدى انعكاس التعليم بالنسبة للأشخاص على مستوى الدولة ومشاركتهم في بناء دولتهم مقابل كل ذلك ويمكن قياس مستوى التعليم في ضوء ارتفاع الأداء في المستوى الفني للإدارة والوظيفة في الدولة.

إذن نحن نناقش هنا أهمية مقياس ومعيار التعليم وانعكاساته الإيجابية على المجتمع والدولة وبمعنى أننا لسنا بصدد مناقشة موضوع نشر التعليم كوظيفة تمارسها الدولة أو كفرض من الفروض الواجبة على الدول قبل مجتمعاتها وأفرادها ولو كنا أمام تحقيق هذا الفرض فقط فإننا سنكون أمام دولة مصابه بالجمود والروتين مما ينعكس سلباً على مسيرة التعليم.

وكذلك على مسيرة التطور والتقدم في الدولة ... لماذا ... لأن المسيرة التربوية والتعليمية مصابه بالجمود أساساً ولما كانت المعادلة مترابطة بين الدولة والتعليم من حيث التقدم والتطور والرقي الاجتماعي والأداء الوظيفي فإن المسيرة التربوية والتعليمية مرتبطة بشكل متلازم مع تطور الدولة ونموها .

لذلك فإن الدول المتطورة والدول التي تريد ترك موقع الجمود والتحرك نحو الأمام لبناء مستقبل أفضل لها ولأبنائها عليها أولاً أن تنشط العملية والمسيرة التربوية لتكون العملية ليست مسألة فرض واجب على الدولة فقط وإنما هي مسألة إستراتيجية تستهدفها الدولة إستراتيجياً من أجل النمو والرقي . لذا نلاحظ في الدول المتطورة والمتقدمة أن معيار تطورها كان في تعلم أبنائها .

ويكمن نجاح التعليم في تلك الدول في اختيار الأنظمة التعليمية والاختيارات المنهجية المتقدمة في نوعية التعليم وطرق وأساليب نقله إلى الطلبة وفق خطط مدروسة ، فالجهاز الفني المسؤول عن الحركة التربوية والتعليمية له ارتباطات وتنسيق مع جهات أخرى في الدولة مهمتها تحديد الاختصاصات المطلوبة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والتي تضمن تطور الدولة وتقدمها على المدى القريب والبعيد .

حيث يقوم هذا الجهاز الفني بوضع الخطط لإعداد الكوادر المطلوبة لتلك الاختصاصات بحيث تشمل متطلبات واحتياجات الدولة على المديين القريب والبعيد لسد حاجتها ولبناء قاعدة تعليمية وأساسية ومهنية للدولة ، هذا على مستوى الكم ، وبذات الوقت يحتاج الأمر إلى تحسين نوعية التعليم من حيث الخطط التعليمية ، ابتداء من تحسين أداء الهيئة التعليمية (التدريسية) وإعدادهم إعداداً علمياً صحيحاً يكونون مؤهلين لمواكبة التقدم العلمي في هذا المجال في نقل التعليم إلى الطلبة وفق أسس علمية متطورة تتماشى مع التطور العلمي الحاصل في العالم.

وهنا نركز على مسألة مهمة وهي عدم الجمود في موقع واحد أو ضمن خطط معينة في التعليم لأن في ذلك خللا يصيب المسيرة التربوية والتعليمية سواء في الهيئة التعليمية أو الطلبة ، ذلك أن العالم يمر في الوقت الحاضر في ثورة علمية متطورة بشكل سريع وكبير في كافة المجالات ومنها مجال التعليم الشامل سواء في مناهج التعليم أو خطط التعليم ونوعية المدارس والجامعات وفي مستلزمات التعليم .

فنجد أن الدول المتقدمة دائماً تعير أهمية كبيرة للتعليم وخصوصاً في مجال التطور الحاصل في مجاله وتعمل بجهد لتطوير مناهج التعليم وطرق التدريس وتطوير الهيئات التدريسية فهي في سبيل ذلك تقدم الأبحاث والدراسات للوصول إلى أحدث الطرق العلمية لنقل العلم والمعرفة إلى الطلبة ، وهذا من شأنه أن يجعل المسيرة التربوية والتعليمية في تطور مستمر مما يثمر عنه نوعية جيدة من الطلبة المتعلمين تتكون منها طبقة مثقفة متعلمة تصلح كقاعدة لمجتمع متعلم ومثالي في نوعية المعرفة والعلم الذي يحمله أبناؤها.

ومن خلال عكس هذه النظرية على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة نجد أن الحركة والمسيرة التربوية والتعليمية في تطور مستمر ونجد أن هناك جهازا فنيا متخصصا يتابع حركة التعليم على مختلف مستوياته من مراحل الدراسة الأساسية وحتى التعليم الجامعي .

والمتتبع لمسيرة التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة يتلمس وبشكل واضح هذا التطور في الأداء العلمي للأجهزة الفنية والتي تفكر دائماً بما هو أفضل لأبناء هذه الدولة من خلال تطوير مفاهيم نقل أساليب التعليم والعمل على تحديث المناهج الدراسية والاهتمام بتطوير الهيئات التدريسية وتسليحهم بكل ما هو جديد في مجال التدريس والتعامل التربوي مع الطلبة مع التركيز على نوعية راقية من المناهج الدراسية والتعليمية بما يخدم المجتمع والدولة .

غير أن من المهم أن لا نذهب في تفكيرنا بشأن التعليم وتطوره إلى إلغاء الأسس العلمية الأساسية في العملية التربوية التعليمية ومنها اللغة العربية وما لها من أهمية كبيرة في حياة الدولة وأبنائها بل يجب أن يكون هناك تطور في أساليب تدريس اللغة العربية وفرض تدريسها في كافة الجامعات وبمختلف مراحلها وكذلك في المدارس وعلى مختلف أنواعها العلمية والإنسانية لأنها الأساس في حياة هذا المجتمع وأبنائه.

وكذلك التركيز على اللغة الانجليزية التي تعتبر حالياً لغة العصر سواء في العلم او الاقتصاد واتباعا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من تعلم لغة قوم امن شرهم» والدولة تحتاج ان يكون لديها من ابنائها من هو قادر على التعامل بلغة العصر وكذلك نقل التعليم الى أبنائنا.

ووفق هذا المفهوم فإن الدولة حملت على أكتافها مسؤولية المسيرة التربوية والتعليمية وأنجزت الكثير من التقدم والتطور وصنعت جيلا متعلما والذي يعتبر الأساس القوي والدعامة الأساسية في بناء الدولة وتطورها ونموها وهي حالياً تعتبر قاطرة النمو والتطور في المنطقة كونها جعلت من الإنسان الأساس والتعليم هو الأداة.

جامعة الشارقة

rashid.shabib@binshabib.ae