القضاء الأميركي يتيح لمسؤولي الاستخبارات الأميركية الاستهتار بالقانون دون التعرض لأي عقوبة.هذا القول ليس من عندي، إنه صادر عن مواطن أميركي يدير جمعية للدفاع عن الحريات في الولايات المتحدة، والقول ليس بلا مناسبة.أنتوني روميرو كان يعقب على حكم قضائي بشأن دعوى إلى محكمة أميركية رفعها لبناني يحمل الجنسية الألمانية ضد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وعشرة من مساعديه وكوادر الوكالة.
تبدأ القصة من مقدونيا حيث ألقى فريق من وكالة الاستخبارات الأميركية القبض على الرجل اللبناني خالد المصري ـ هذا هو اسمه. وعلى الفور جرى ترحيله جواً وسراً إلى قاعدة عسكرية أميركية في أفغانستان بشبهة «ممارسة الإرهاب«.هناك ـ وكما يروي المصري ـ احتجز المصري لمدة خمسة أشهور كان يتلقى خلالها «وجبات» يومية من التعذيب بشتى ألوانه الجسدية والنفسية، ولكن في نهاية المطاف لم يجدوا شيئاً جديراً بتوجيه أي اتهام محدد إليه وتقديمه إلى محاكمة فقرروا الإفراج عنه.
عملية الإفراج كانت غريبة، فقد أعيد عبر رحلة جوية سرية أيضاً إلى مقدونيا حيث أطلق سراحه في شارع كثيف الظلام قبل أن يفروا.من هنا كانت الدعوى القضائية التي رفعها الضحية ضد مدير الاستخبارات المركزية الأميركية وبعض مساعديه وكوادره الميدانيين، لكن المحكمة الأميركية رفضت حتى مجرد استقصاء الشكوى أو الاستماع إلى الشاكي.
لقد طلبت وكالة الاستخبارات من المحكمة رفض الشكوى فوريا استناداً إلى أن الشكوى تنطوي على وقائع «تندرج تحت الأنشطة السرية للاستخبارات الأميركية» وبالتالي لا تستطيع الوكالة «تأكيدها أو نفيها«.
تجاوب القضاة مع الطلب الأميركي. وعندما أعاد خالد المصري رفع الدعوى إلى محكمة استئناف فيدرالية أيد قضاة الاستئناف قرار المحكمة الدنيا، وقال قضاة الاستئناف إنه لو تقدم صاحب الشكوى بأدلة تثبت وقائع شكواه ـ الاختطاف والتعذيب ـ فإن مثل هذه الأدلة سوف تفضح كيفية تنظيم الاستخبارات الأميركية لعملياتها السرية مما يشكل خطرا على الأمن القومي للولايات المتحدة.
وعلى هذا الأساس رفضت الدعوى للمرة الثانية وهذا ما دعا أنتوني روميرو إلى القول بأن القضاء الأميركي يغري مسؤولي الاستخبارات الأميركية بالاستهتار بالقانون دون التعرض لأي عقوبة. ماذا بوسع المواطن اللبناني خالد المصري أن يفعل الآن لنيل حقوقه الشرعية من تلقي اعتذار رسمي من الحكومة الأميركية وتعويض مادي مناسب؟
المحامون يقولون إنهم سيرفعون شكوى إلى المحكمة العليا الفيدرالية والأغلب أن هذه ستكون محاولة يائسة. فالقضاء الأميركي عموما ليس له استقلالية. ذلك أن كبار القضاة بمن فيهم قضاة المحكمة العليا الفيدرالية يجري تعيينهم بواسطة رئيس الإدارة الأميركية أي زعيم الحزب الحاكم الفائز في الانتخابات الرئاسية.
ولذا فإن القاضي يأتي على أساس الولاء الحزبي. ولن يكون متاحاً لحكومات أو أفراد رفع دعوى في هذا الصدد إلى المحكمة الجنائية الدولية لأن الولايات المتحدة أولا ترفض التوقيع على ميثاق هذه المحكمة.. وثانيا لأنها أبرمت اتفاقيات ثنائية مع كثير من الحكومات تتعهد هذه الحكومات بموجبها بعدم تقديم شكاوى إلى هذه المحكمة ضد الولايات المتحدة أو مواطنيها. وهذه هي «العدالة» على الطريقة الأميركية.