منطق واحد ظل وطيداً في السياسة الخارجية الأميركية منذ تسعينات القرن الماضي:في كل مرة لوح فيها الأميركيون باستخدام القوة سرعان ما تحولت قعقعة السلاح إلى حرب حقيقية. حدث ذلك مع العراق تكرارا، ومع يوغسلافيا وأفغانستان. وهناك ما يكفي من الدلائل لأن نفترض الآن أيضا أن التهديد باستخدام القوة قد يتحول إلى استخدامها بالفعل.
غير أن الأمر يختلف هذه المرة في بعض الجوانب، ما يجعل قرار الحرب صعبا على الإدارة الأميركية. فمن جهة، أعلنت كل دول العالم تقريبا أنها ضد هذه الحرب وحذرت الولايات المتحدة من الإقدام عليها.
وبدت الأصوات النشاز الداعية للحرب يائسة من استجابة عالمية لها، ما حدا بنائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ليبرمان لأن يقول في مقابلة أجرتها معه «هآرتس» الإسرائيلية أن «لدى إسرائيل الإمكانية لأن تتصدى لإيران حتى مع السيناريو الأسوأ إذا أحجم أصدقاؤنا في كل العالم عن مواجهة هذا الخطر وتركنا لوحدنا». وفي هذا إشارة إلى أن الأمور في الولايات المتحدة الأميركية بدأت تعتمل بشكل آخر، سنعود إليه.
من جهة أخرى، حرصت الدول الرئيسية التي فاوضت حول صيغة قرار الأمم المتحدة رقم 1737 بشأن العقوبات على إيران بأن يقيد القرار قانونا باستخدام وسائل الضغط الاقتصادي.
وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقابلة أجرتها معه صحيفة «روسيسكايا غازييتا» في 28 فبراير الماضي أن بلاده أصرت على ذلك لدرجة أن القرار اقتبس مادة من ميثاق الأمم المتحدة تستبعد استخدام القوة. ومع ذلك قال لافروف:«لكن الذي يقلقنا الآن هو إمكانية تطور الأمور نحو مواجهة مسلحة».
ومن جهة ثالثة، في خطابه في مدريد، اقترح وزير الخارجية الإيراني متقي توسيع مجموعة الست المعنية بملف البرنامج النووي الإيراني التي تضم حاليا أعضاء مجلس الأمن الدائمين الخمسة وألمانيا، بحيث تنضم إليها أسبانيا، إيطاليا، وكذلك رئيس منظمة المؤتمر الإسلامي ورئيس حركة عدم الانحياز.
كما قال بأنه يجب أن تؤسس المفاوضات على أساسين هامين:التسليم فعليا بحق إيران في استخدام الطاقة النووية، وتحديد الطرق والضمانات لهذا الحق، ثانيا، استبعاد الوجه الآخر لهذه المشكلة فيما يتعلق بالحياد عن الطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني بخلق آليات تشكل جسرا بين هذين الأساسين بتعزيز نظام معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وتشكيل كونسورسيوم نووي في إيران باشتراك دول أجنبية في التملك والإدارة. وقال بأنه تم بحث ذلك مع الفرنسيين.
وربما كان ذلك جوابا على ـ أو تجاوبا مع قول لافروف بأن طهران «تعرف ما يجب اتخاذه من أجل تسوية كافة القضايا وعلى علم بمقترحات «السداسي» بصدد أبعاد المفاوضات التي «تضمن حق إيران الشرعي في استخدام الطاقة النووية السلمية كما ستطبع العلاقات مع إيران في المجال الاقتصادي بما في ذلك تطوير التعاون في مجالات التكنولوجيا الراقية». لكنه لم يوضح تلك المقترحات.
ومن الجهة الرابعة، ليست الدعوات إلى الولايات المتحدة بالتبصر والاستماع إلى صوت الحكمة وحدها التي تصدح، وإنما الولايات المتحدة نفسها ليست اليوم كما كانت قبل عشر سنوات، ناهيك عن خمس عشرة سنة مضت. فبعد تجارب الحروب التي لا نهاية لها والتي لم تحل القضايا التي أشعلت من أجلها لا في كوسوفو ولا أفغانستان ولا في العراق، تعب الأميركيون العاديون من هذه الحروب، وأدركوا أن رئيسهم وصقوره الأكثر تشنجا غير قادرين على التفكير السياسي إلا من خلال الحروب.
طبعا بود إدارة بوش أن تكسب الحرب بالطريقة التي توحي هي بها للعالم، أي بسرعة وبخسائر قليلة. لكن الكل أصبح يعرف أنه إذا كان ذلك لم يحدث مع العراق وأفغانستان فلن يحدث مع إيران بكل تأكيد. إن كبار الاستراتيجيين العسكريين لا يعرفون بعد حربا تم كسبها نهائيا دون اقتحام بري في النهاية وترتيب الأشياء على الأرض.
ويمكن منذ الآن القول بكثير من الثقة إن الحزب الجمهوري سيخسر الانتخابات الرئاسية القادمة. أما أن تطول الحرب مع إيران بخسائرها البشرية والمالية فستعمل قبل كل شيء على جعل هذا الحزب عاجزا عن الوقوف على أرجله سنوات طويلة. لهذا نرى أن رقصة الحرب في تصريحات بعض كبار المسؤولين الأميركيين ابتداء من الرئيس ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بدأت تخفف إيقاعها.
ماذا إذن ؟ هل الحرب مستبعدة ؟ طبعا لا يمكن القول بذلك على إطلاقه. نقلت وكالة رويترز في 25 فبراير 2007 عن مجلة نيويوركر انه على الرغم من إصرار إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش على عدم وجود خطط لديها لمهاجمة إيران فان لجنة بوزارة الدفاع شكلت للتخطيط لشن هجوم يمكن تنفيذه خلال 24 ساعة بعد تلقي الأوامر من بوش. وقال مسؤول سابق في المخابرات المركزية الأميركية إن مجموعة التخطيط الخاصة شكلت داخل مكتب هيئة الأركان المشتركة في الأشهر الأخيرة.
وأن فرقا أميركية من الجيش والعمليات الخاصة عبرت الحدود من العراق إلى داخل إيران لملاحقة عملاء إيرانيين. هذه المعطيات، إضافة إلى انتقال الآلة العسكرية الضخمة إلى الخليج ووصول أعداد كبيرة من صحافيي العالم جعلت فنادق البحرين مشغولة هذه الأيام بنسبة 90% كما أشارت إلى ذلك «الوطن» البحرينية في 2 مارس 2007، كل ذلك يشير إلى أن احتمالية وقوع الحرب لا تزال كبيرة.
من سيدرأ الحرب ؟
يستطيع درأها فقط ذلك الذي يستطيع إجبار إيران على الامتثال لقرار مجلس الأمن باستخدام آليات هذا القرار - الضغط الاقتصادي، أي البلدان أو مجموعة البلدان التي تعتمد إيران عليها تجاريا وفنيا. ليس لأميركا مثل هذه العلاقات مع إيران لذلك فالحرب هي أداتها الممكنة. أما روسيا فتلمح إلى أنها جادة في استخدام الأداة الاقتصادية.
لكن «دير تاغشبيغيل» الألمانية أشارت في 2 مارس 2007 إلى أن إيران تستطيع العيش دون الاعتماد على الصين أو اليابان أو حتى روسيا. لكن الحاسم هو أن أكثر من ثلثي الصناعة الإيرانية مجهز بتقنيات ألمانية الصنع كما قال للجريدة الرئيس السابق لغرفة الصناعة والتجارة الألمانية الإيرانية ميخائيل توكوس.
وأشارت أيضا إلى دراسة أجريت بناء على طلب البرلمان الإيراني أكدت أنه «بدون قطع الغيار والمنتجات الصناعية الأوروبية سيصاب الاقتصاد الإيراني بالشلل بعد عدة أشهر». وبالطبع إن دول مجلس التعاون، كما تؤكد تصريحات كل قادتها معنية بألا تقع هذه الحرب.
لقد فات الآوان للحديث عن تشابك المصالح الاقتصادية التي تجعل تأثير هذه البلدان على إيران ممكنا. وذلك درس للمستقبل. لكن مخاطبة إيران من باب المصالح المشتركة فيما يتعلق بالوضع في لبنان والعراق، وكذلك التعاون مستقبلا في صناعات الطاقة النووية ذاتها أمور حيوية بالنسبة للطرفين. هذا ما يعول عليه في العلاقات الإيرانية الخليجية ابتداء من لقاء الملك عبد الله ـ أحمدي نجاد.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com