عناصر أو عوامل تحول القوة الداخلية والخارجية في أي مجتمع من المجتمعات ليست هي بالمسألة السكونية الثابتة. فرغم حالة الثبات التي تتسم بها الأنظمة العربية ومقاومتها أو تطويعها لعمليات التغيير التي جاءت على هذه المنطقة، إلا أن ظروف ومستجدات الاقتصاد والسياسة والابتكارات التكنولوجية قد أطاحت بحالة توزيع القوة في المنطقة العربية.

وهي إطاحة قد نقلت جزءا صغيرا أو كبيرا من الثقل والقرار العربي، كما يقول عبد الله بشارة أمين عام مجلس التعاون الأسبق، من مراكزه التقليدية العربية إلى التخوم العربية. بل بدت سياسات وأنماط تفكير الأطراف والتخوم العربية مبتعدة كثيرا عن صخب الإيديولوجيا وتداعياتها الانفعالية، وهي المسألة التي تميزت بها و ما زالت حالة ممارسة السياسة في المراكز العربية.

ويعتقد عالم الاجتماع المصري سعد الدين إبراهيم أنه إذا ما قدر للمنطقة العربية أن تحدث قدرا من الاختراق للمستقبل فإن هذا الاختراق قد يكون هنا، من الخليج أكثر منه في المراكز العربية التقليدية التي كان لها سبق الدخول في عملية الحداثة. من هنا بدت التجارب العربية الأخرى عاجزة عن أن تُكوّن نماذج في النهوض الاقتصادي والتحول الديمقراطي.

ففشل التنمية الاقتصادية وتكلس الدولة العربية التقليدية يبعد عنها أي إمكانية حقيقية لتشكيل نموذج المستقبل القائم على التحول التقني والبناء الديمقراطي، وكلاهما مفتقران في حالة الدولة العربية التقليدية.

بل أن الدولة العربية التقليدية لم تفارق أسفل خانة الدولة ذات الحريات السياسية المتلاشية من خانة تقارير بيت الحريات السوية، فكيف لها أن تكون نموذجا في التحول الديمقراطي.

أي بمعنى آخر ، أن النظام السياسي العربي ، وباستثناءات بسيطة، لا يمكن أن يشكل بأي حال من الأحوال، ونتيجة لطبيعته الأوتوقراطية المؤدلجة، القائمة على الاحتكار المطاق للسلطة، نمطا قابلا للتبني، في أي مكان في العالم إلا بالنسبة لبقايا إرث الأنظمة الشمولية السابقة.

وفي البدء نقول عن منطقة الخليج التي طالما تغنى بها قوميو الخمسينات والستينات في قولهم« من المحيط الهادي إلى الخليج الهادري» قد قاربت الواقع منذ أن أُسقط نظام الشاه في عام 1979، فلم يعد الخليج هو إقليم الهامش في المنطقة العربية، بل أصبح ونتيجة لأسباب جيو ـ استراتيجية متغيرة هو مركز الثقل في المنطقة العربية لأسباب اقتصادية وأخرى سياسية وأمنية.

بل أن صراعات وحروب الثلاثة عقود الأخيرة التي جاءت على المنطقة العربية هي في جلها باستثناء حرب لبنان الأخيرة، قد حدثت في قلب هذه المنطقة أو على تخومها. والتي بدأت بإطلالة الحرب العراقية ـ الإيرانية مرورا بحرب الناقلات وبعد ذلك حرب احتلال الكويت وتحريرها وحرب الوحدة في اليمن وحرب احتلال العراق وحروب أفغانستان والصومال على التخوم.

من ناحية أخرى فإن منطقة الخليج تمثل خط تماس المنطقة العربية مع الحضارات والأعراق الأخرى: فقديما قد ارتبطت هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية، بشرق أفريقيا وببلاد فارس والهند وجزر شرق آسيا، لربما أكثر مما ارتبطت بما يسمى بقلب الأمة العربية أو مراكزها التقليدية، ولربما كذلك أن الارتباط بالمراكز العربية لم يأت إلا مع القرن العشرين أو قبله أو بعده بقليل أو كثير. لذا فإن الموقف من هذه البلاد وسكانها عند أهل الخليج يغاير موقف العرب منها، وموقف العرب لن أقول كما يقول البعض قد جاء مع الثراء النفطي، إلا أنه دون شك في أن ذلك قد شكل جزءا من هذا الاهتمام.

وقد بان ذلك في موقع أهل الخليج في التنظيمات القومية والإسلامية التي لم يحتلوا فيها إلا مواقع هامشية، وقد كان جل دورهم في هذه التنظيمات دور الممول لا المنظر، بل أن بعضهم سرعان ما ارتد على المنطقة وأهلها كما كان في مواقف بعض هؤلاء عندما أقدم النظام العراقي السابق في عام 1990 ـ 1991 على احتلال الكويت، كما هو تحديدا في مواقف التنظيم العالمي لإخوان المسلمين أو في مواقف جل التنظيمات العربية القومية واليسارية.

وحتى يكتمل هذا القول فإننا نقول كذلك، إن تحرير الكويت لم يكن له أن يتم لولا الغطاء العربي الذي أعطي لقوات التحالف الغربية، وعلى الرغم أن كل ذلك كان بقدر محسوب ومغانم شتى، إلا أنه كان عملا مهما لخطوة التحرير.

وإذا ما كان الخليج بعد ذلك قد استعاد بعض عافيته الاقتصادية ومبادأته السياسية إلا أن خطوة احتلال العراق من قبل القوات الأميركية وما تبعه من أخطاء استراتيجية على الأرض العراقية قد دفعت نحو تطورات عديدة على الساحة الخليجية.

فهي من ناحية الجوار الأقرب للعراق، وهو نتيجة لتقاربه الأثني مع الحالة العراقية، بدا مشدودا بتجاذبات العراق الاثنية والسياسية، بل أننا قد بتنا مصابين بعدوى حروبه الطائفية التي هي في الأصل حروب سياسية تحولت الطائفة فيها والمذهب لموقع الدين.

وبات انتماء الفرد منهم أو منا لمذهبه، أو هكذا بان أو بات، أقوى من انتمائه لدينه. وهي انعطافة خطيرة لحالة التشظي والتشطير التي تمر بها المنطقة العربية برمتها تدميرا وتعطيلا لأي محاولة جادة لبناء مجتمع المواطنة وإقامة الديمقراطية.

وقد استكثر بعض العرب على بعض الأطراف الخليجية قدرتهم على حل بعض من معضلات أو حروب العرب الداخلية، كما هي في قدرة المملكة العربية السعودية على وقف التقاتل بين «طوائف» المنظمات الفلسطينية، في مقابل عجز بعضهم عن تحقيق ذلك. من هنا بدا إفشال اتفاق مكة بين الطوائف العراقية إن هو إلا نتاج لعصي عربية ولربما أخرى إقليمية عربية أو غير عربية أوقفت عجلة امكانية قيام مسيرة تصالح ووجدت من أطراف عراقية داخلية قابلة بلعب دور تدمير الذات. فهي : « أما أن أكون أنا أو الموت».

وأعتقد أن قدرا سريعا من الأمن الداخلي في العراق ووقف التقاتل بين أطرافه وجماعاته، ووقف تطاير شظاياه المشتعلة: المذهبية والعرقية على محيطه الإقليمي والعربي مصلحة إقليمية وقومية قبل أن تكون مصلحة قطرية. وهي مسألة لم يصل النظام السياسي العربي إليها بعد.

لذلك بدا العراق وبقبول من أطرافه الداخلية، ساحة لتصفيات حسابات اقليمية مؤجلة بين بعض الأطراف العربية وإيران من جهة وبين كل هؤلاء والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. إلا أن يبقى الخاسر الأكبر في هذا العراق والمنطقة العربية على المدى القصير والمتوسط.

وقد ترى بعض الأطراف العربية كذلك في قدرة العربية السعودية على حل الخلاف الداخلي اللبناني بين أطرافه المتصارعة سياسيا والمتمرسة مذهبيا وكذا في قدرتها على تهدئة الموقف الأميركي من النووي الإيراني ودفع الموقف الإيراني نحو القبول بقدر من التراجع في سياساتها العلنية المتشددة من حق التخصيب النووي، إنقاصا لدورها الإقليمي، بل كشفا لبداية ترهل دورها الإقليمي.

وهي مسألة طالما شكلت قدرا كبيرا من أنماط التفكير العربية وبالتالي ممارساتها للسياسة التي تقوم على مبدأ النكاية أكثر منها فهما دقيقا لتبعات سلوكها في بعيد المدى على الساحة العربية. إن جزءا كبيرا من واقعنا الأليم والمر وعجزنا كإقليم وأقطار عربية عن تشكيل نماذج جديدة في النمو، إن هو إلا نتاج لكل سياسات الدولة العربية والتي تغلب عليها سياسة النكاية والتكتيت أكثر منه العقلنة والمستقبل.

كاتب بحريني