وصلتني عشرات من الرسائل عبر البريد الالكتروني خلال الفترات الماضية حول مواضيع كتبت فيها عن التراجع الدائم في وطننا العربي، وكنت ومازلت أتساءل من المسؤول مع أن الإجابة واضحة وذكرتها عدة مرات، لكنني كنت أعتقد أنه قد يكون عند آخرين رأي مختلف أو أسباب أخرى أجهلها.

فجاءت تلك الرسائل لتؤكد على رأيي وكأنه متفق عليه، تقول في مجملها: إن استبداد بعض أشكال النظام السياسي العربي الذي تقوم على أساسه الحكومات العربية هو المسؤول، وهذه حقيقة واضحة باعتبار أن الشعوب العربية مغلوبة على أمرها في أغلب الدول، أو محظوظة في بعضها لأنها على الأقل تختار من يحكمها ولو مرة واحدة في العمر.

مع ذلك فالحكومات في الكثير من الدول العربية تتباهى بأنها جاءت برغبة شعبية وبالإجماع، لكنها عندما تتمكن ويصبح بيدها الحل والربط، تتناسي الرغبة الشعبية وتركز على خدمة مصالح الفئة المشكلة منها، ولأنها تجتهد وتتفنن في ذلك فهي تستمر في الحكم وكأنه لا بديل لها أو كأن الأفراد في تلك الحكومات قد أتوا من سلالة الشمس كما كان يطلق على الامبراطوريات في اليابان، لهذا فهم فوق كل الاعتبارات وكل الحسابات مهما كانت تجاوزاتهم أو أخطاؤهم لأنهم معصومون من الخطأ، وإن حدث وأخطا مسؤول في إحدى الحكومات فان الخطأ غير مقصود أو مدسوس بمؤامرة مدبرة من الخارج.

نادراً ما نسمع أن رئيس دولة عربية، أو مسؤولا في الحكومة قد خضع للمساءلة القانونية نتيجة أخطاء أو إهمال أو اختلاسات وقعت في مؤسسة تابعة للوزارة التي هو مسؤول عنها طبعاً لا، لأنهم معصومون من الخطأ والحساب، وذمتهم بريئة براءة الذئب من دم يوسف لذا لابد وأن يحكموا للأبد، وهذه تضحية منهم فهم لا يعرفون الراحة أو الخصوصية ويقدمون أجمل سنين عمرهم في خدمة الوطن والشعوب لذا لا يتركون مناصبهم وكراسيهم لغيرهم، وهذا ليس خوفا من المحاكمة أو المساءلة -لا سمح الله- نتيجة اختلاسات مالية أو تهرب من ضريبة حكومية، لأنهم في الأصل معفيون من الضرائب.

لكنهم متمسكون بمناصبهم احتراماً وتقديراً لشعوبهم لأنه من الصعب على الشعوب إيجاد بديل لهم بنفس «الماركة» أو كما قلت من أبناء الشمس لكن ما أكثر الماركات الأصلية والمقلدة في عصرنا الحالي! وهذا ما أكده أحد المسؤولين عندما طلب مني ترك منصبه وإتاحة الفرصة لغيره عندما قال هل تريدونني أن أخيب ظن الملايين من أبناء شعبي الذين يطالبونني بالبقاء؟ ومسؤول آخر لم يتعب نفسه بالبحث عن حجة جديدة للبقاء في الحكم فاستفاد من فكرة الأول وطبقها عملياً.

إن الحكومات في العالم وليس فقط في أوروبا وأميركا، بل حتى في دول آسيا تتغير تلقائيا خلال فترة محددة في حين أن المسؤولين في الحكومات العربية يتشبثون بكراسيهم ولا يتنازلون عنها أبداً، ففي أميركا وأوروبا مثلاً يتغير مسؤولون في أعلى السلطة بسبب خلافات في الرأي أو تراجع شعبي.

وحتى في إسرائيل رغم كراهيتنا وعدائنا الدائم لها إلا أننا مضطرون للاعتراف لها بنظام حكمها، نعم نحن على خلاف أبدي مع إسرائيل ونظامها لأنه نظام عنصري شرس لكن مع هذا فهو نظام أسس ليخدم الشعب، ويحترم الدستور والقانون، فها هو رئيسهم موقوف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر ومطلوب للمحاكمة وكذلك عدد من الشخصيات السياسية في إسرائيل تركت الحكم بسبب قضايا ضدهم في المحاكم مع أنه لم يصدر في شأنها الحكم بعد.

إن الفساد الإداري والمالي في الكثير من الدول العربية لا منافس له وذلك بشهادة المنظمات الدولية التي لا تدخر جهداً في نشر تقارير سنوية عبر وسائل الإعلام المختلفة، لكن مع الأسف هذه التقارير لم تغير في الأمر شيئاً يذكر على مر السنين، لأن المسؤولين في الدول العربية، إما معصومون أو منزهون عن الخطأ كما قلت، وإما يتلقون الدعم لتنفيذ أوامر في الخارج أو التهديد إذا تطلب الأمر.

ففي جميع دول العالم لا أحد فوق القانون إلا الحكومات العربية، فهي تسنه للجميع، وتحكم به لصالحها وتطبقه على من يتعارض مع مصالحها.

والخلاصة أن التراجع العربي واضح والأسباب واضحة، أبرزها نظام بعض الحكومات العربية غير القابل للتغيير أو التبديل لأنه لا ثوابت له ولا قانون يحاسبه إنما هو نظام شعاره الدائم أنا القانون والقانون أنا.

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com