في «مؤتمر الضباط السابقين» أوضح رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي بأن الغرض من هذا اللقاء النوعي الجديد هو إفساح المجال أمام المؤتمرين «في العودة إلى الجيش»، كلام يؤشر إلى بداية جديدة، ذات طبيعة تصحيحية لوضع غاب عنه توازنه منذ أربع سنوات.

طبعاً هي لا تختصر معالجة هذا الوضع المعطوب من كافة جوانبه لكنها لا شك خطوة نوعية بالغة الأهمية وفي هذا الظرف بالذات؛ لأنها تتناول مؤسسة بمنزلة العصب في عملية إعادة بناء الدولة خاصة وان القرار الذي استهدف الجيش العراقي وقضى بحله في ابريل عام 2004، والذي كان قد اتخذه الحاكم المدني الأميركي بول بريمر آنذاك، كان وباعتراف الجميع خطأً فادحاً بمنزلة خطيئة قاتلة، وانفلات العنف بالصورة المستفحلة التي أنهكت البلد يعود إلى ذلك القرار الذي اتخذه الاحتلال في ذلك الحين؛ وذلك حسب غالبية إن لم يكن كل قراءات وتحليلات الخبراء والمراقبين.

لا جدال أن إعادة تأهيل الجيش العراقي، بعد تلك الضربة القاصمة، تحتاج إلى جهود جبارة وفترة زمنية مديدة. لكن فتح الباب من جديد أمام المسرحين للعودة إلى المؤسسة التي نشأوا فيها؛ هو أكثر من استدراك لرفع حيف أو غبن لحق بهم، وأهميته أنه يرفد القوات المسلحة بالخبرات اللازمة والمؤدية إلى تسريع عملية بنائها.

والأهم أنه يشكل حجر الزاوية في سياسة الرد المطلوب على الانقسامات المذهبية والطائفية؛ بما يفترض أن يكون عليه الجيش كمؤسسة وطنية تنصهر فيها كافة مكونات الشعب العراقي وتتصدى، بتركيبتها هذه لكافة أشكال العنف ومصادره، والمشجع أنه حسب وزارة الدفاع، يحتاج الجيش الآن إلى عودة 12 ألفا من الضباط السابقين إلى مواقعهم العسكرية، والباقون ـ من أصل 75 ألفا ـ يتم توزيعهم على مناصب مدنية، وما يلفت النظر أن عدداً كبيراً منهم لبى الدعوة إلى المؤتمر استجابة لنداء العودة الذي كان قد أطلقه مؤتمر المصالحة الوطنية أواخر العام الماضي.

في ضوء ظروف ومصائب العراق وانهياراته المعروفة، قد تبدو هذه الخطوة متواضعة. وهي كذلك. لكن في الوقت ذاته وبسبب هذه الأوضاع فإن أي تطور من هذا النوع يندرج في خانة الخطوة التي لا يستهان بها. على الأقل لأنه ينطوي على احتمال واعد خاصة إذا تزامن مع مؤشرات وتحركات لها الطابع الإيجابي مثل دعوة المسلحين إلى التحاور ومد «غصن الزيتون» لهم؛ على حد ما قاله رئيس الحكومة، نوري المالكي.

وقد واكب ذلك كلام حول هبوط العنف بدرجات ملحوظة في بغداد ويأتي ذك كله عشية مؤتمرين مهمين: المؤتمر الإقليمي في بغداد بعد أيام وبمشاركة دولية غير مسبوقة فضلا عن مشاركة دول الجوار، ومؤتمر القمة العربية أواخر الشهر الجاري في الرياض، وفي هذا الخصوص دعا اجتماع وزراء الخارجية العرب أول أمس في القاهرة، تمهيداً للقمة؛ إلى وجوب جدولة الانسحاب العسكري الأجنبي من العراق.

مع بعضها، تشكل هذه الرزمة من المستجدات في الملف العراقي ما يشبه النقلة أو الوعد بحدوث نقلة في أوضاعه، ولو بمقدار ضئيل يخدم قضية المصالحة الوطنية التي تبقى المدخل الإجباري والوحيد لأي خلاص.