لم يكن مفاجئاً التطورات الملحوظة في المواقف الروسية الأخيرة بشأن فلسطين والعراق ورفض الضغوط الأميركية المتواصلة على سوريا، فقد انطلقت موسكو الآن في حساباتها السياسية، في محاولات حثيثة لاعادة حضورها في المنطقة، وإعادة إحياء تحالفاتها التقليدية بعد أن باتت قادرة على الانطلاق مجدداً، تبحث عن دورها الضائع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

فتميز موقفها في اجتماعات اللجنة الرباعية، وزاد من منسوب التمايز زيارة خالد مشعل على رأس وفد موسع من قيادة حركة حماس العاصمة الروسية موسكو، وتواتر الأنباء المختلفة عن صفقات السلاح المتطور إلى سوريا، فضلاً عن تمايز الموقف الروسي بشأن العراق في ظل التورط الأميركي الكبير في ما أسمته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت بـ (كارثة العراق).

وعليه، لم تصمد بعض المواقف التي تنبأت بامكانية نجاح وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عبر زيارتها الأخيرة للمنطقة وعبر اجتماع اللجنة الرباعية الدولية (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا) في استصدار موقف جماعي بشأن التعاطي الدولي المقبل مع الحكومة الائتلافية الفلسطينية حال تشكيلها. فقد تميز الموقف الروسي الرافض لاطلاق الموقف الذي عملت رايس على تهيئة الأجواء من أجل إطلاقه.

وتميز معه الموقف الأوروبي المتململ من سياسات الادارة الأميركية في فلسطين والعراق، وعزز التململ إياه إعلان رئيس الوزراء البريطاني نيته البدء السريع بالسحب التدريجي للقوات البريطانية من جنوب العراق بعد دخول الحالة العامة هناك في نفق المجهول وفشل القوات الأميركية في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني، فضلاً عن الخسائر اليومية التي تقع في صفوفها.

فقد شهد الاجتماع الأخير للجنة الرباعية حيزاً ملموساً من التباينات بين الادارة الأميركية وباقي الأطراف، وبدا خلالها وجود اجتهادات ثانية لاتقر بالرؤية الأميركية بشأن القضايا والعناوين الشائكة المتعلقة بما يجري في فلسطين، خصوصاً وأن الرؤية الأميركية مازالت تكرر نفسها وفق المنوال ذاته من التحريض المتواصل على الحكومة الفلسطينية المستقيلة والحكومة الفلسطينية القادمة دون أن تبدي واشنطن مبادرات جدية تلزم الاحتلال وحكومة ايهود أولمرت بوقف الحصار المضروب على قطاع غزة .

وعلى تدفق الأموال للأراضي الفلسطينية، فضلاً عن ضرورة الافراج عن الأموال الفلسطينية المجمدة في البنوك الاسرائيلية البالغة بحدود (500) مليون دولار، وهي الأموال المجباة اسرائيلياً للطرف الفلسطيني لقاء البضائع والمنتوجات التي تدخل أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية.

لقد سعت واشنطن عبر جهودها وتأثيرها، لتشكيل ائتلاف دولي مناهض ليس لحركة حماس فقط وانما مناهض لأي حكومة فلسطينية وحدوية تشكل أوسع إطار للخارطة السياسية الفلسطينية المتواجدة داخل وخارج البرلمان التشريعي للضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتبع التحريض ذاته جملة من الاشتراطات التي تم وضعها أمام الرئيس محمود عباس في الاجتماع الثلاثي الذي ضم (أولمرت، عباس، رايس)، الأمر الذي عزز من لغة الصلف والغرور الاسرائيلية، وأطلق عقيرة ايهود أولمرت في ترديد الاشتراطات الاسرائيلية بشأن التعامل مع الحكومة الفلسطينية القادمة حال تشكيلها وفقاً لاتفاق مكة التوافقي بين حركتي حماس وفتح.

وبالرغم من الحالة الصعبة التي تواجه الفلسطينيين عموماً، بعد مرحلة الصراعات الداخلية المؤسفة التي انتقلت من طاولات الحوار إلى الشارع في قطاع غزة والضفة الغربية مع صوت الرصاص وطرقات كعوب البنادق، الا أن اتفاق مكة فتح الطريق أمام امكانية تحقيق الحد الأدنى من التوافق بين الطرفين الأوزن في الساحة الفلسطينية، وعزز من قيمة الاتفاق الوزن السياسي الكبير للمملكة العربية السعودية باعتبارها حاملة الاتفاق، وتأثيرها الكبير على الطرفين المعنيين، ذوي الجذور الاسلامية الاخوانية.

وعليه كان ومازال اتفاق مكة مظلة حماية للمساعي الفلسطينية التوحيدية، وعاملاً هاماً في التقليل من حدة الموقف الأميركي داخل الاجتماع الأخير للجنة الرباعية الدولية. فقد انطلق الموقف الروسي الرافض لموقف واشنطن في اجتماع الرباعية على جملة من المتغيرات الجديدة أهمها بوادر التوافق الفلسطيني بعد اتفاق مكة. وفي هذا السياق جاءت الدعوة الروسية الثانية لخالد مشعل وحركة حماس لزيارة قصر الكرملين الذي أصبح مفتوحاً أمام التيار الاسلامي الفلسطيني بعد أن كان حكراً على النظام الرسمي والقوى الماركسية / اللينينية.

فالدعوة الروسية الثانية لقيادة حركة حماس لزيارة موسكو التي تمت مؤخراً، والترحيب الفرنسي بها خطوة ملموسة تؤكد بأن يد اسرائيل والولايات المتحدة لن تكون اليد الطولى على طول الخط، وأن علائم المسار لاترتسم دوماً داخل أروقة وغرف القوى المتحكمة بالسياسات الدولية الخارجية.

وأمام الدعوة التي أطلقها البلشفي السابق والرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، لقيادة حركة حماس في زيارتها الثانية مؤخراً للعاصمة الروسية موسكو، لايمكننا سوى أن نقول (سبحان الذي يغّير ولايتغّير)، فقد اعتادت قيادات اليسار الفلسطيني، أن تجد حليفاً كريماً سخياً غير مكلف، قدم لها كل المساعدات السياسية والعسكرية دون أن تعمل القيادات اياها على تثمير هذا الدعم والاسناد كما كان متوقعاً، بل تعودت أن تجد فضاءها المفتوح عبر موسكو، وطبعاً في «الحجيج» المستديم إلى الكرملين، والى مومياء قائد الثورة البلشفية فلاديمير ايليتش لينين الراقد في الساحة الحمراء.

وعليه، وبعد عقد ونيف من انقلاب الخارطة الدولية، وفي ظل التحول الجديد في فلسطين، استدارت موسكو من «محجة » لأقطاب اليسار والبلشفيك العرب، ومن «منتجع على البحر الأسود» مريح لقيادات الأحزاب اليسارية إلى دار استقبال لقوى من طبيعة أيديولوجية مغايرة، صاعدة في سلم الحضور الشعبي، بعد أن بدأت العاصمة الروسية تشعر بوهج المصالح بعد زمن ناءت به من وطأة الحمل الثقيل عندما وضعت تحت رعايتها أحزاب البلشفيك العربية أيام الاتحاد السوفييتي الغابرة.

ان الحراك السياسي الفلسطيني الذي دار مابين حجري الرحا الفتحاوية والحماسية بشكل رئيسي، أنتج الحالة الجديدة القائمة في فلسطين، التي أوصلت حماس كأول حركة مقاومة اسلامية إلى بلاط الساحة الحمراء والى قصر الكرملين، وهو حراك لن يتوقف.

وفي العودة لاجتماع اللجنة الرباعية الأخير، وتمايز الموقف الروسي، يمكن القول بأن موسكو التي وجدت نفسها مهمشة على امتداد الفترة الطويلة الماضية، تخطو الخطى بجرعات التفاؤل لإعادة المجد الضائع، فهي وريثة الإمبراطورية السوفييتية ومن قبلها القيصرية، ومن هنا تعمل للولوج إلى دائرة الفعل بعد سنوات من الاقصاء والعزل الذي مورس بحقها من قبل الادارة الأميركية. تقرع الأبواب بدقات قوية، تذكر العالم بأنها مازالت الشريك والراعي الدولي القوي في إطار اللجنة الرباعية. الشريك القادر على فرملة اندفاعات السياسة الأميركية.

وبأنها مازالت تتمايز بحدود معقولة عن الموقف الابتلاعي لواشنطن، ومن هنا تسعى لحل واقعي للتسوية المعطلة على مساراتها الثلاثة الفلسطينية والسورية واللبنانية. وخلاصة القول، لم تأت المفاجأة التي أطلقتها القيادة الروسية بدعوة حركة حماس لتحقيق زيارتها الأخيرة للعاصمة موسكو من فراغ، فقد جاءت في سياق مدروس أرادت من خلاله قيادة الكرملين تحقيق جملة من الانجازات السياسية الخارجية.

والانتقال من صفوف المتفرجين على الحدث إلى صف العاملين والمقررين بالشأن الدولي والقضايا الكبرى الساخنة في العالم بعد سنوات من التهميش والتجاهل الأميركي، والعبث الخارجي بأوضاعها الداخلية في مناطق جمهوريات الحكم الذاتي في منطقة القفقاس، والزنار المحيط بها عند تخوم جمهوريات آسيا السوفييتية السابقة (أذربيجان، قرغيزيا، تركمانستان، أوزبكستان، طاجيكستان).

كاتب فلسطيني ـ دمشق