مقدمات وبدايات شهر مارس الجاري، تبدو واعدة. مناخاته تحمل بشائر انفراج. بل انفراجات. أيامه مزدحمة، وبصورة ملفتة، بمحطات واستحقاقات؛ ربما كانت حاسمة. أو على الأقل مفصلية، بحيث قد تكون انطلاقة لعملية اللملمة في الوضع العربي؛ وبالتالي بداية مرحلة لوقف النزف المستبد به ولقطع الطريق على الأخطار المصيرية التي تهدد المنطقة.
باكورة هذا الانعطاف تمثلت في قمة أول من أمس في الرياض بين خادم الحرمين الشريفين، الملك عبدالله بن عبدالعزيز؛ والرئيس الإيراني أحمدي نجاد. لم يصدر عن اللقاء قرارات تتعلق بخطوات ملموسة، لكن مجرد انعقاده كان بحدّ ذاته، من صنف التطور الإيجابي الذي يلامس الإنجاز. لاسيما وأنه تمخض عن إعلان العزم على بذل الجهود اللازمة لصدّ المخاطر ومعالجة النزاعات، في المنطقة.
وكان في ذلك ما ترك حالة من الاطمئنان والاستبشار بانفتاح باب التعاون وبما يكفل تنفيس الاحتقانات، أو على الأقل وقف ضخّها؛ في غير مكان من المنطقة. يعزز هذا الأمل أن ساحات الأزمات الملتهبة تبدو هي الأخرى قادمة على تحوّلات أو مواعيد، توفر لها المستجدات ومنها قمة الرياض، عوامل تزخيم وتعويم لإخراجها من شرانق أزماتها.
الوضع الفلسطيني مقبل، بعد أيام، ـ وفق كل التقديرات الفلسطينية ـ على ولادة أول حكومة وحدة وطنية؛ تنفيذاً لاتفاق مكة. وذلك إنجاز مهم. في أقلّه هو يطوي صفحة اقتتال أهلي كاد أن يطيح بالوضع الفلسطيني ويقضي على مقومات صموده.ومن المتوقع أن يعقب ذلك انعقاد المؤتمر الإقليمي، بمشاركة الدول الكبرى الخمس، في بغداد، حول الوضع العراقي.
وثمة آمال غير قليلة معقودة على هذا الحدث، كونه يوفر فرصة اللقاء ولأول مرة بين الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الساحة العراقية وما قد يتمخض عن ذلك من خطوات تتيح لهذه الساحة ما تحتاجه من فسحة لالتقاط الأنفاس. كذلك يبدو الوضع اللبناني أنه يقف على عتبة تطور واعد قريب، أشار إليه أكثر من طرف ومسؤول لبناني؛ خلال الأيام الأخيرة، وذلك في ضوء ما أوصى به التحرك الإقليمي، الذي بدا أن أطرافه عزمت على الانتقال إلى ضفة الاستدراك المشترك؛ من أجل لجم التدهور شبه الشامل في المنطقة.
وفي ذلك، إذا صدقت التوقعات وسلمت المساعي من التخريب عليها، نقلة نوعية تبشر بالخير للبنان واللبنانيين.وقبل أن يطوي مارس أيامه الأخيرة، من المقرر أن تنعقد القمة العربية في الرياض. ومن غير المجازفة الاعتقاد بأنه إذا سارت الأمور على ما يرام، بخصوص الاستحقاقات التي تكون قد سبقتها، من قمة الرياض ونتائجها إلى مؤتمر بغداد وحلحلة الوضع اللبناني؛ فإن هذه القمة قد يقدَّر لها أن تكون فعلاً نقطة تحوّل فارقة، في تاريخ هذه المرحلة الصعبة التي تمرّ بها المنطقة.
حتى اللحظة علامات التفاؤل مبررة. نبرته مرتفعة. وكأنما هناك حالة صحوة وإدراك بأن البديل خراب لن يوفر أحداً وبأن استمرار الحال على ما هو عليه، في المنطقة، خسائر صافية لها. ربما يكون التسليم بهذه الحقيقة والتحرك على أساسها، قد تأخر. لكنه خير من أن لا يحصل. وهو إذ يؤكد على شيء فهو أن المنطقة تملك الكثير من مفاتيح أمنها وحماية مصالحها؛ عندما تحرص وتعمل على حماية القواسم المشتركة فيما بينها.