بات في حكم اليقين العلمي أن الدولة العبرية باتت تحلق خارج منظومة العلاقات الدولية إن لم نقل فوقها أيضا. وذلك ليس فيما يتعلق بعلاقاتها مع جوارها العربي فحسب بل فيما يتعلق بعلاقاتها حتى مع الدول الكبرى المتطورة والمقصود هنا ليس الولايات المتحدة بالطبع فالعلاقة التي تجمع بين هاتين الدولتين «أسمى» بكثير من أن تدرج ضمن مفهوم العلاقات الثنائية بحيث يجمع المراقبون على أنها عضوية على حد الاندماج.المقصود هنا بعض الأطراف الأوروبية، التي باتت ترى صعوبة بالغة إن لم تكن استحالة في ممارسة حياتها السياسية الداخلية بعيداً عن خطب ود الكيان الصهيوني حتى ولو كان ذلك على حساب كرامة وعزة الأوطان ذاتها.
الموقف الأخير في سياق هذه السلسلة المتواصلة من الممارسة السياسية الدنيئة يطل علينا هذه المرة من بلد الثورة التي ألهبت وألهمت عقول البشر بما حملته معها من دعوات إلى إرساء قواعد الحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان في العالم. التخاذل أو الخذلان الأخير يأتي هذه المرة من الجمهورية الفرنسية وتحديداً من اليمين الفرنسي وممثله الأشد شراسة نيكولا ساركوزي، الذي تمادى إلى درجة الوقاحة أو يزيد عندما تحدث عن مخاطر انتشار أسلحة نووية في منطقة «الشرق الأوسط» وعن المشروع النووي الإيراني السلمي وقال مدعياً إلى درجة القرف إن هذا الوضع يهدد أمن الدولة العبرية.
ساركوزي يقفز بهذا الموقف على حقائق دامغة يعرفها القاصي والداني في المنطقة والعالم أجمع.الحقيقة الأولى هي أن مخاطر الانتشار النووي في المنطقة لا تأتي إلا من جانب دولة إسرائيل المارقة الخائف عليها وعلى مستقبلها السيد الفرنسي الذي من المرجح أن يكون رئيس فرنسا المقبل.
الحقيقة الثانية هي أن جميع الحروب التي شهدتها المنطقة منذ نحو 60 عاماً كانت رأس الحربة فيها الدولة العبرية نفسها التي تملك ترسانة حربية هجومية عز نظيرها حتى في الدول المتطورة الكبيرة.الحقيقة الثالثة هي أن ساركوزي نسي أن مخاطر انتشار السلاح النووي إنما تطال سائر شعوب المنطقة إن لم نقل سائر شعوب الكرة الأرضية بأكملها وأن ما يسمى الشعب الإسرائيلي لا يشكل إلا جزءاً يسيراً جداً من مجموع سكان المعمورة.
أما الحقيقة الرابعة فلم يقفز عنها الوزير الفرنسي فحسب وإنما استند إليها كلياً وتتعلق بالرأي العام العربي والنظام الرسمي العربي اللذين يستغل ساركوزي وأمثاله وضعهما المهلهل ليمرروا من بين أصابعهما أطروحات حتى الوقاحة تنأى بنفسها عنها.
الحقيقة الخامسة وليست الأخيرة طبعاً، لأن مسلسل هذا النوع من الحقائق التي ترقى إلى مصاف المفارقات الكبرى، تتعلق بواقع ان الكيان الصهيوني لا يمثل تهديداً للمنطقة فحسب، بل إنه يمارس هذا التهديد بشكل يومي منذ أن رأى النور على أنقاض شعب آخر قبل عشرات السنين ووسيلته الوحيدة هي القتل والبطش والتدمير.
كما يجدر بنا إضافة حقيقة أخرى هي أقرب إلى الخيال وأغرب منه لأننا لا نعتقد أن ذاكرة ساركوزي مصابة بالخرف إلى درجة تنسيه أن الدولة الفرنسية بالذات هي التي زودت الدولة العبرية، في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، أي منذ وقت مبكر، بالتكنولوجيا والمواد النووية لأول مرة في التاريخ الطويل للملف النووي العسكري الإسرائيلي.
ألم يسأل ساركوزي نفسه او مستشاريه السؤال التالي: من يهدد من في منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع؟ لدواعي التذكير فقط نقول إن الإجابة على هذا السؤال أتت منذ زمن على لسان مختلف مواطني القارة العجوز، التي تحتل فرنسا موقع القلب فيها، الذين قالوا وبوضوح في استطلاع للرأي جرى مؤخراً إن الكيان الصهيوني بالفعل يشكل تهديداً كونياً.
خلاصة القول إن مسلسل المفارقات المفجعة يبدو أنه بلا نهاية، ذلك أن ساركوزي يعتمد في الحملة الانتخابية التي يخوضها في سباق الانتخابات الرئاسية الفرنسية على المواطن الفرنسي نفسه الذي أعرب عن رأيه حيال إسرائيل.. في استطلاع الرأي.