لماذا يسود الخطاب التخويني الساحة العربية؟ لماذا يتسيد الخطاب التكفيري المنابر الدينية والشبكة العنكبوتية؟ لماذا تتقبل الجماهير العربية خطاب التحريض على حساب خطاب التبصير؟ لماذا يهيمن الفكر التآمري على العقل الجمعي العربي؟ لماذا يكسب دعاة (الكراهية) أنصاراً وأتباعاً بأكثر من دعاة والتسامح؟ لماذا تستمر المنابر الدينية في لعن الآخرين والدعاء عليهم؟

لا سبب لكل ذلك إلا الاعتقاد السائد بين النخب والجماهير أن الآخر هو الملوم والمدان والمستحق للكراهية والعداء، إنها ـ إذن ـ ثقافة (لوم الآخر) التي تعفي الذات مسؤولية تردي أوضاعها لتحملها (الآخر)، علماء السنة والشيعة الذين اجتمعوا في الدوحة مؤخراً بهدف التقارب واحتواء الفتنة الطائفية وجدوا في إسرائيل وأميركا والغرب ضالتهم المتهمة، والأحداث الطائفية التي قام خلالها شباب مسلمون بحرق محلات يملكها مسيحيون بمدينة (أرمنت) بمصر، اتهمت (جهات تسعى لإثارة الفتنة بين المسلمين وأشقائهم المسيحيين بهدف تدمير الدين الإسلامي والمسيحي معاً).

وأحمدي نجاد ـ الرئيس الإيراني ـ يلقي خطاباً بمناسبة الذكرى (28) للثورة، فيتهم جهات خارجية تريد بث الفرقة بين الإيرانيين!ويجتمع بالرئيس (الأسد) ليحذرا المسلمين من (الفتنة) التي يريدها (أعداؤهم) والكاتب المصري (سلامة محمد سلامة) يرى أن حرب فتح وحماس وراءها أميركا بمشاركة أطراف أوروبية وعربية، وحتى الكاتبة المصرية (نوال السعداوي) التي فرت من مصر مؤخراً إثر اتهامات، ألقت اللوم على أميركا في عدم نجاحها في انتخابات رئاسة الجمهورية. و(حزب الله) الذي لا يزال مصراً على تأزيم الوضع في لبنان يتهم أميركا. أما (حماس) التي أثبتت فشلاً ذريعاً في (الحكم) فتتهم أميركا. الرئيس اليمني يرى في تمرد (الحوثيين) مخططاً خارجياً.

(الآخر)، دائماً متهم في الذهنية العربية فهو السبب في معاناتنا وفي فشل مشاريعنا التنموية، هو الذي فرقنا ورسم الحدود القطرية، وهو الذي أعاق التجربة الديمقراطية وأوجد الطائفية ونفخ فيها، وأتى بالإرهاب إلى ديارنا.

ثقافة (لوم الآخر) ليست مجرد (ثقافة) بل (عقيدة) لدى نخب عربية وجماهير مسكونة بالآخر العدواني المتربص بنا (شراً)، هذه الثقافة ليست وليدة الظروف الحاضرة بل ممتدة في التاريخ بدءاً بالفتنة الكبرى التي قصمت ظهر المسلمين وفرقتهم شيعاً متصارعة وراح ضحيتها الآلاف من المسلمين بسبب الصراع على (السلطة) .

كما هو حاصل اليوم بين اللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين والصوماليين وبدلاً من تفهم الطبيعة البشرية للصحابة رضوان الله عليهم وأن الخطأ وارد عليهم، وقد قال الله تعالى فيهم (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) بحث المؤرخون عن (عدو) وهمي، ولا يزال يدرس في الأدبيات الإسلامية أن (بروتوكولات حكماء صهيون) صحيحة وهي وراء انقسامات المسلمين وأن يهود (الدوغة) لهم السبب في إسقاط (الخلافة) الإسلامية على يد أتاتورك.

ولا يزال نفس المنطق حاضراً لدى كثير من العرب، فـ (الموساد) العفريت المعاصر الذي يحظى بالنصيب الأوفى من لعنات واتهامات العرب، هو الذي وراء كارثة (11) سبتمبر كذريعة لضرب المسلمين، و(الموساد) وراء تفجيرات (لندن) و(طابا) و(شرم الشيخ) وهم الذين يقاتلون (الشيعة) و(السنة) في العراق، وهم وراء عمليات الاغتيالات للقادة العرب بدءاً بالزعيم عبدالناصر مروراً بعرفات وانتهاءً بالحريري، لقد صرح مرشد الإخوان في مصر أن الموساد هم وراء تفجيرات (طابا) وصرحت الوزيرة السورية (بثينة شعبان) بأن إسرائيل قتلت (الحريري).

وحتى وقت قريب كان قطاع كبير يعتقد أن (الزرقاوي) شخصية وهمية اخترعها الأميركيون والموساد لتغطية أعمالهما الإجرامية ضد العراقيين ولإشعال الفتنة الطائفية!و(غزو الكويت) مؤامرة أميركية عبر السفيرة (جلاسبي) التي استدرجت (صدام) لاستمرار الهيمنة على الخليج وابتزاز موارده وتدمير العراق، أما تفجيرات (الرياض) السابقة فوراؤها أميركا كما ألمح إليها د. القرني بجامعة الملك سعود، بل إن مد (تسونامي) مؤامرة أميركية لضرب البنية التحتية لآسيا.

وهكذا ـ دائماً وأبداً ـ فالآخر هو الملوم وهو المسؤول وهو الجاني ونحن الضحية والألعوبة!! هناك ـ دائماً ـ (أعداء) الأمة الإسلامية الذين لا عمل لهم إلا وضع المخططات الشيطانية لتدمير الأمة وتعطيل طاقاتها وبث الفرقة والطائفية في مجتمعاتها وهناك العملاء والأتباع من العلمانيين والتغريبين والحداثيين الذين يتعاونون مع الأعداء في التبشير بالحداثة والعقلانية والعلمانية ويريدون إفساد المرأة المسلمة.

إن إعفاء الذات من المسؤولية، معناه استمرار العجز واستمرار الفشل، وجمود الأوضاع السلبية، المجتمع الذي لا يعترف بأخطائه، مجتمع لا يريد تحمل مسؤولياته. يجب علينا الكف عن لوم الآخر والتحول إلى ممارسة عملية النقد الذاتي ولا يفيدنا بشيء اتهام (الآخر) أو التعلق بنظريات التآمر أو التعلل بالغزو الفكري أو العولمة الخبيثة، هكذا فعلت الشعوب التي أرادت النهوض بعد الهزيمة.

(ألمانيا) التي ردمت الينابيع المسمومة للفكر النازي و(اليابان) التي تخلت عن التراث الامبراطوري الاستعلائي، هؤلاء .

كاتب قطري