ما هي الخطوة التالية من جانب المحكمة الجنائية الدولية بعد أن رفضت الحكومة السودانية التجاوب مع مدعي عام المحكمة؟
»هذه المحكمة لا ينعقد لها اختصاص لمحاكمة مواطنين سودانيين». هكذا كان رد الحكومة السودانية على المدعي العام أوكامبو بعد أن أعلن في مؤتمر صحافي في لاهاي أن وزيراً وزعيم ميليشيا سودانيين متهمان بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور.
ثم ماذا بعد؟
بالطبع ستكون هناك أولاً مسألة إجرائية. سيطلب المدعي العام من هيئة قضاة المحكمة إصدار أمر بجلب المتهمين إلى مقر المحكمة في لاهاي (هولندا) عندئذ ستخاطب المحكمة الحكومة السودانية رسمياً طالبة تسليم المتهمين. وبما أنه من المؤكد أن الخرطوم سترفض التجاوب مع الطلب فإن المحكمة ستضطر إلى رفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي.. وهو المرجعية الأصلية التي أحالت القضية إلى المحكمة الدولية.
هكذا ستعود القضية إلى المربع الأول. وربما من المبكر التكهن بما قد يجري حينئذ في مجلس الأمن ولكن أغلب الظن أن قاعة المجلس سوف تشهد معركة دبلوماسية، وسيكون محور المعركة اقتراحاً أميركيا بفرض المزيد من العقوبات ضد السودان. والمرجح في هذه الحالة أن كلا من الصين وروسيا ستتخذ موقف معارضة إما برفض العقوبات أو محاولة تخفيضها إلى مستوى رمزي.
إن المسألة برمتها أسيرة تكهن لأن هذه القضية هي الأولى من نوعها في الساحة الدولية خاصة وأن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية حديث العهد.ما ليس بالجديد هو أن توجيه الاتهام إلى مسؤولين سودانيين لتعريضهم إلى محاكمة دولية هو في حقيقة الأمر حلقة في مسلسل من العداء الأميركي المتصاعد ضد النظام السوداني من خلال استغلال الأزمة الدارفورية وفقاً لأجندة سياسية بعيدة المدى مقررة سلفا.
وكأن الإدارة الأميركية كانت تنتظر إبرام اتفاق السلام بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» الجنوبية لإعطاء إشارة هجوم إلى حركة التمرد في دارفور لتشعل حرباً ضد الجيش السوداني والحكومة المركزية، وهذا ما وقع بالفعل في مطلع عام 2003، ومن المفارقة أنه رغم الضجة العظمى التي تثيرها الإدارة الأميركية بالتواطؤ مع كبار موظفي الأمانة العامة للأمم المتحدة ومنظمات «إغاثة» غربية فان السؤال المفتاحي لا يطرح: من بدأ الحرب في دارفور؟
وهكذا أخذ السيناريو الأميركي يتصاعد: توافد إلى دارفور وزير الخارجية الأميركية وقتها كولن باول، وأمين عام الأمم المتحدة، وبعثات تلو بعثات من أعضاء الكونغرس. وترافق مع ذلك شن أقوى حملة إعلامية عرفها العصر لتصوير الأزمة وكأنها عدوان من قبائل عربية يسندها الجيش الحكومي ضد قبائل افريقية مغلوبة على أمرها.
ومن أحدث الحلقات إيفاد بعثة من «اللجنة الدولية لحقوق الإنسان» برئاسة شخصية أميركية «لفحص أوضاع حقوق الإنسان في دارفور«.إنها، باختصار، حرب تشن بأدوات متعددة، لكنها تدور في عالم أصبح متعدد الأقطاب بحكم تضارب المصالح مما يتيح للحكومة السودانية قدراً كبيراً من حرية التحرك الدبلوماسي الايجابي.