بالأمس، في نهاية شهر يونيو استقلت دولة الجبل الأسود وصارت العضو 192 في الأمم المتحدة وكانت بذلك آخر مواليد الدولة اليوغسلافية الأم وهذا الشهر حان موعد الحسم للمسألة الكوسوفية المؤجلة منذ عام 1999،.

وللتذكير فقرار مجلس الأمن 124 الذي وضع حداً عام 1999 للحرب في بقايا الجمهورية اليوغسلافية قام على تسوية مؤقتة وهشة تقوم من جهة على الاعتراف بانتماء مقاطعة كوسوفو إلى صربيا في حين تعطي الأمم المتحدة صلاحية الإدارة والإشراف على هذه المقاطعة، باعتبار أن الفترة الانتقالية قد تساعد في تليين المواقف هنا وهناك والتوصل إلى تسوية من خلال تبريد الأجواء رغم أن الموقف الصربي مازال هو هو رافضا للاستقلال وموقف ألبان كوسوفو يعتبر أن لا تسوية خارج إطار الاستقلال الكلي مع الحلم بولادة «ألبانيا الطبيعية».

مبعوث الأمم المتحدة، الرئيس الفنلندي السابق مارتي اهيتساري قدم مشروعاً يمكن وصفه بأنه استقلال مقنع وتدريجي يقوم على السماح لكوسوفو بالانضمام إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى مع دور أساسي للاتحاد الأوروبي في شؤون كوسوفو كحل تدريجي لموافقة مجلس الأمن على هذا الأمر وبعدها يعلن عن الولادة الرسمية للدولة الجديدة.

ومن نافلة القول ان الفيتو الروسي في مجلس الأمن سيقف حائلاً دون إصدار قرار من المجلس بالولادة الرسمية لهذه الدولة رغم أن روسيا تقدم موقفها بلغة دبلوماسية قائلة إن المطلوب الاستمرار في المفاوضات دون إطار زمني محدد. مسألة كوسوفو إذا عادت إلى الأضواء الدولية بشدة مبشرة بحدوث أزمة متعددة الجوانب والأبعاد ضمن يوغسلافيا السابقة وفي أوروبا وعلى صعيد العلاقات الغربية الروسية وهي أزمة تفتح الباب لإحياء «النزاعات المجمدة» والمتعلقة بولادة دول جديدة انفصالية في القوقاز بشكل خاص ولكن في مختلف مناطق العالم النامي بشكل عام.

الكثيرون يتحدثون عن أثر الدومينو في هذه المسألة التي ما زالت بعيدة عن أبواب الحل الدبلوماسي السلمي والبعض يتحدث عن أنها قد تشكل أيضاً نموذجاً أياً كانت النتائج المحتملة للتسوية، للقبارصة الأتراك ربما للمطالبة باستقلالهم وقد تعطي دفعاً دولياً للمزاج الاستقلالي الكردي في العراق إذا ما استمرت الأزمة العراقية في الاستفحال.

واستمر الجمود السياسي القاتل والانسداد المدمر عنواناً للحالة العراقية، بحيث يكتسب مفهوم الطلاق الكردي قوة وتبريراً أكبر، وفي حين تستمر سياسة تربيع الدوائر الآن في هذه العملية الدبلوماسية التي انطلقت في وسط أوروبا بعد سنوات من الهدوء، مذكرة بأزمة انفجار «الدولة الإمبراطورية اليوغسلافية» .

وفي ظل تصاعد حدة المواجهة السياسية الأميركية الروسية وشعور روسيا بأنها تتعرض لمحاولات احتواء غربية من خلال التمدد الأطلسي في مناطق نفوذها التاريخي المباشر، وفي ظل تضعضع الموقف الأوروبي وغياب سياسة أوروبية فاعلة حتى في محيطها الأوروبي المباشر تبشر هذه المسألة بمزيد من التوتر والتعقيدات.

في هذا الإطار لابد من التذكير بأن جملة من العوامل ساهمت منذ نهاية الحرب الباردة في تسارع ولادة دول جديدة أو في إعادة إحياء دول بعد أن احتجزت أو اختفت ضمن دول إمبراطوريات طيلة أكثر من نصف قرن من الزمن أحياناً: من هذه العوامل سقوط قواعد التقييد والضبط التي كانت تشكل إحدى سمات استقرار النظام الدولي القديم، نظام الحرب الباردة، والتي تحافظ أحياناً على استقرار مفروض وحياة اصطناعية لبعض الدول على حساب هويات أصيلة جريحة ومقموعة، وذلك في إطار الحفاظ على توازنات إقليمية أو دولية قائمة كانت ستنهار فيما لو تم «اللعب» بهذه القواعد.

سقوط هذه القواعد بسقوط نظام الحرب الباردة التي نشهد ارتدادات زلزال هذا السقوط حتى الآن أطاح باللاصق الاستراتيجي الذي كان يحفظ هذه الدول ويحميها. من هذه العامل أيضاً انفجار ثورة الهويات القومية والدينية والاثنية التي تبحث عن تعبير سياسي وطني دستوري لها على الصعيد الدولي. من العوامل أيضاً انكشاف ضعف ووهن العديد من الدول بسبب فشلها في بناء شرعيتها الوطنية.

وزاد في تشجيع التيارات الانفصالية أحياناً الوضع الاقتصادي الاجتماعي المنهار لبعض هذه الدول وسقوطها فيما يعرف بنموذج الدولة الفاشلة. القارة السمراء هي المسرح الرئيسي لهذه الظاهرة الجديدة من أزمات بنيوية متراكمة ومتفجرة وجاهزة للانفجار بعد أن رفع الغطاء عنها. ثم هنالك بالطبع ما يعرف بالأثر التظاهري، فالنجاح في مكان ما يشجع على التقليد والمحاولة في مكان آخر.

قد يكون الطلاق إحدى وسائل التسوية لنزاعات الهوية المستمرة، ولكنه ليس الوسيلة الوحيدة إذا ما نجح الطرفان، وخاصة الطرف الأكثري أو المهيمن في القبول بإعادة صياغة العقد الوطني مع جماعة الهويات المقومة والجريحة والثائرة بغية تلبية مطالبها المشروعة ضمن الدولة الواحدة.

قد يكون هذا ممكناً في حالات معينة من دون حالات أخرى ولكنه ليس مستحيلاً من حيث المبدأ. وما يجب التذكير به أن الخيار الاستقلالي أياً كانت مشروعيته ليس كفيلاً دائماً بتحقيق الأمن الوطني والمجتمعي للدولة الجديدة في عالم تزداد فيه أهمية التنظيمات والتكتلات الإقليمية والدولية تشارك الدولة في بعض وظائفها الأساسية، كما يتكاثر عدد هذه التنظيمات كتعبير عن الحاجة لها وعن أهميتها في عالم يزداد عولمة على الصعيد الاقتصادي.

من المفارقات القائمة أنه بقدر ما تزداد النزاعات الانفصالية المعبرة عن ثورة الهويات بقدر ما تزداد في الوقت ذاته الحاجة والضرورة إلى الاندماج والتكتل والتعاون في أطر أبعد من الدولة سواء كانت إقليمية أم دولية. ويكمن التحدي في كيفية النجاح، في حالات الدول المركبة.

والتي تفتقد إلى شرعية مجتمعية في بناء شرعية وطنية جديدة تسمح بإيجاد التسوية والاطمئنان ضمن الدولة الواحدة قبل محاولة إيجادها من خلال دولة جديدة ومن خلال مواجهة تحديات جديدة ومختلفة من أهمها أن تأتي «الولادة» بشكل سليم وغير مكلف وغير حامل لجراح مستقبلية في العلاقة بين الدولة الأم والمولود الجديد. أزمة كوسوفو تذكرنا بالمفارقة الكبيرة مفارقة التعايش الصعب بين العولمة الاقتصادية المتصاعدة والبلقنة السياسية المنتشرة.

كاتب لبناني