ما نطق به وزير خارجية فرنسا فيليب دوست بلازي، بخصوص العراق، عندما قال إنه «على وشك التقسيم»، يتجاوز التحذير بكثير. يندرج في خانة الإنذار الأخير، أو الإعلان المتقدم عن نتيجة كارثية، قيد التحقق، ما لم تتخذ الخطوات الاستباقية اللازمة والسريعة لإحباط حدوثها.

كلام غير اعتيادي، تنبع أهميته وخطورته من موقع الجهة الصادر عنها ومن ظروف اللحظة الراهنة. فها هو رئيس الدبلوماسية الفرنسية يترك لغة الدبلوماسية والتورية جانباً ليتحدث بلغة لا تحتمل التأويل عن الوضع العراقي والمخاطر التي يختزنها ويهدد بتفجيرها قريباً.

والرجل لم يسبق له ولا لدولته أن قرع جرس الخطر بمثل هذه الصراحة، ثم انه بحكم كونه وزير دولة كبرى على اطلاع بما يجري في المطابخ الدولية المعنية وإزاء العراق، كما أنه على دراية مفترضة بما يحصل على الأرض وفي الكواليس المحلية والإقليمية، وبالتالي فإن ملاحظته ليست عابرة، ولا ينبغي التعامل معها على هذا الأساس.

صحيح أن عبارة «تقسيم» ليست جديدة على المداولات العراقية، والتحذيرات من الوصول بالبلد إلى مثل هذه النهاية تكررت ولاتزال، على كل لسان، ذلك أن تفكيك البلد احتمال دخل إلى العراق مع دخول الاحتلال، ومنذ ذلك الحين وعوامله تتراكم، لكن ولا مرة صدرت مثل هذه العبارة على لسان مسؤول بهذا المستوى وبهذا الوضوح، فضلاً عن ذلك ان ما قاله تزامن مع إشارات وتقديرات أميركية، تعزز من صدقية وجديّة إنذاره.

آخر التقارير الأميركية حذر من الانهيار التام، إذا تعذر ضبط الوضع من الآن وحتى ستة أشهر، ويأتي ذلك بالترافق مع تزايد الارتياب، خاصة في واشنطن وبالتحديد في الكونغرس بشأن نجاح الخطة الأمنية، علماً بأن عمليات العنف قد هبطت في بغداد بنسبة 80%، وفق التقارير الأمنية العراقية، حتى ان نائب الرئيس تشيني أعرب هو الآخر، وربما لأول مرة عن عدم ارتياحه مما سمّاها «الحقيقة المحرجة» في إشارته إلى أن العراق بات «الجبهة الحاسمة في الحرب على الإرهاب».

إزاء هذا الوضع رأى بلازي أن «الحل الوحيد» يكمن في الخروج الأجنبي من العراق بحلول عام 2008، لكن إدارة الرئيس بوش ليست في هذا الوارد وتجاوزت كل الاعتراضات الداخلية، من كونغرس وإعلام ورأي عام، ورفعت عدد قواتها بدلاً من البدء في انسحابها. نائب الرئيس تشيني يحذر من عواقب مثل هذه المغادرة للعراق. واشنطن تضع الآن كل بيضها في سلّة الخطة الأمنية.

قد تنجح، وقد تتعثر. كله متوقف في النهاية على مدى مناعة ساحته الداخلية، حتى الآن هذه الأخيرة هشة، وربما في مهبّ الريح، واستعادتها لعافيتها وبما يحصّنها ضد الانفلات الأمني ـ المذهبي، الذي يكاد يطيح بمقومات وحدة العراق، هي الضمانة الوحيدة المؤكدة، والعراقيون أول من بات يدرك وفي ضوء التجربة النازفة المؤلمة، ألا مدخل لاسترجاع هذه العافية سوى تحقيق المصالحة الوطنية.

إنذار بلازي يمكن أن يكون موجهاً لأكثر من طرف، وبالذات إلى واشنطن. لكنه مباشرة أو غير مباشرة، يرمي الكرة في الملعب العراقي، هنا كان ولا يزال مربط الفرس، في النهاية هم وحدهم صمام الأمان ضد التقسيم.